الأكثر مشاهدة

المغرب وإسبانيا.. هل تغيرت موازين القوة؟

قبل عشرين عاما، كانت الأزمات بين المغرب وإسبانيا تقرأ بطريقة مختلفة تماما. أما اليوم، فتبدو المعادلة أكثر تعقيدا، بعدما تمكن المغرب من بناء شبكة واسعة من الشراكات الدولية وتعزيز موقعه الدبلوماسي والعسكري والاقتصادي.

فمن أزمة جزيرة ليلى سنة 2002، إلى أزمة سبتة سنة 2021، وصولا إلى التوترات الأخيرة، تغيرت الكثير من المعطيات.

الرباط تدخل مرحلة جديدة

أحد أهم التحولات جاء من ملف الصحراء المغربية.

- Ad -

فبعد اعتراف الولايات المتحدة بمغربية الصحراء في ديسمبر 2020، تعزز الدعم الدولي للموقف المغربي، كما اتخذت فرنسا موقفا أكثر وضوحا تجاه مبادرة الحكم الذاتي، بينما وصفت بريطانيا المقترح المغربي بأنه حل جدي وعملي وقابل للتنفيذ.

وهذه التحولات الدبلوماسية منحت الرباط أوراقا إضافية في علاقاتها مع القوى الأوروبية.

مدريد نفسها غيرت موقفها

في عام 2022، اتخذت إسبانيا موقفا جديدا من قضية الصحراء، عندما اعتبرت مبادرة الحكم الذاتي المغربية الأساس الأكثر جدية وواقعية ومصداقية لحل النزاع.

ولم يكن هذا التحول سياسيا فقط، بل فتح الباب أمام مرحلة جديدة من التعاون بين البلدين.

الهجرة، والأمن، والتجارة، والاستثمار، إضافة إلى التحضيرات المشتركة لكأس العالم 2030، أصبحت ملفات تربط المغرب وإسبانيا بمصالح متبادلة كبيرة.

العلاقة بين الرباط ومدريد لم تعد قائمة فقط على الملفات السياسية.

في عام 2024، بلغت صادرات إسبانيا إلى المغرب حوالي 12.86 مليار يورو، بينما بلغت الواردات الإسبانية من المغرب حوالي 9.83 مليار يورو.

وهذا يعني أن المصالح الاقتصادية أصبحت عاملا مهما في تحديد طبيعة العلاقة بين البلدين.

فأي أزمة كبيرة بينهما لن تكون بلا تكلفة، وستؤثر على مصالح اقتصادية وأمنية مشتركة.

وماذا عن سبتة ومليلية؟

هنا تظهر واحدة من أكثر النقاط حساسية.

ففي الأسابيع الأخيرة، عاد الحديث بقوة حول سبتة ومليلية، بالتزامن مع تصاعد الخطاب السياسي في المغرب.

لكن طرح هذه القضية لا يعني بالضرورة أن الرباط تتجه نحو مواجهة مباشرة مع مدريد.

بل إن الحسابات السياسية تبدو أكثر تعقيدا.

فالمغرب لديه ملف الصحراء الذي يمثل أولوية دبلوماسية، ولديه علاقات اقتصادية وأمنية مهمة مع إسبانيا، وبالتالي فإن فتح مواجهة شاملة مع مدريد قد لا يكون في مصلحة أي طرف.

من 2002 إلى 2026.. المغرب تغير

ربما أهم ما تغير خلال هذه السنوات ليس فقط الخطاب السياسي المغربي، وإنما موقع المغرب نفسه على الساحة الدولية.

فالمملكة طورت علاقاتها مع الولايات المتحدة، وعززت تعاونها الدفاعي مع إسرائيل، ووسعت شراكاتها مع فرنسا وبريطانيا ودول أخرى.

كما عملت على تحديث قدراتها العسكرية وتعزيز حضورها الدبلوماسي والاقتصادي في أفريقيا.

وبالتالي، عندما تدخل الرباط اليوم في خلاف مع مدريد، فإنها لا تدخل بنفس الأدوات التي كانت تمتلكها قبل عشرين عاما.

رغم ارتفاع حدة الخطاب حول سبتة ومليلية، لا توجد بالضرورة مؤشرات على أن المغرب وإسبانيا يتجهان نحو صدام شامل.

الأقرب أن البلدين سيواصلان سياسة الضغط والتفاوض، مع محاولة كل طرف حماية مصالحه وتجنب الوصول إلى نقطة اللاعودة.

لكن الرسالة الأهم التي تكشفها التطورات الأخيرة هي أن المغرب أصبح أكثر ثقة في إدارة خلافاته مع إسبانيا.

فبينما كانت أزمات الماضي تظهر تفوقا واضحا في ميزان القوة الدبلوماسية والعسكرية والاقتصادية، تبدو الصورة اليوم أكثر توازنا وتعقيدا.

المغرب أصبح يمتلك حلفاء أقوياء، وأوراقا دبلوماسية أكبر، وعلاقات اقتصادية واسعة، وقدرات عسكرية أكثر تطورا.

ولهذا فإن السؤال لم يعد فقط: ماذا ستفعل إسبانيا إذا تصاعد الخلاف مع المغرب؟

بل أصبح السؤال:

ماذا يستطيع المغرب أن يفعل بهذه القوة الجديدة؟

وهنا تكمن حقيقة التحول الكبير في العلاقات المغربية الإسبانية.

مقالات ذات صلة