تجد الجزائر نفسها أمام معادلة إقليمية شديدة التعقيد في منطقة الساحل، حيث لم يعد أمن حدودها الجنوبية منفصلا عن صراع أوسع على النفوذ بين قوى إقليمية ودولية. وبين تمدد الجماعات المسلحة في مالي، وتغير التحالفات في المنطقة، وصعود نفوذ المغرب والإمارات، بدأت الجزائر في تعزيز حضورها السياسي والأمني لدى جيرانها في الجنوب.
وتكشف تحركات الجزائر خلال الفترة الأخيرة عن رغبة واضحة في الحفاظ على موقعها داخل منطقة تعتبرها مجالا حيويا لأمنها القومي، خصوصاً مع تصاعد المخاوف من انتقال الاضطرابات والجماعات المسلحة إلى أراضيها.
النيجر.. اختبار جديد للنفوذ الجزائري
برزت النيجر بشكل خاص في التحركات الجزائرية الأخيرة. ففي 30 غشت، وصلت إلى العاصمة نيامي أربع مقاتلات جزائرية من طراز «سو-30»، إلى جانب طائرة للتزود بالوقود، في مهمة قالت وزارة الدفاع الجزائرية إنها جاءت استجابة لطلب من السلطات المحلية، عقب محاولة لزعزعة الاستقرار.
وبحسب معطيات نقلتها صحيفة «فايننشال تايمز» عن دبلوماسيين غربيين، بقيت الطائرات في النيجر لعدة أيام قبل أن تعود إلى جنوب الجزائر.
وفي الثالث من أكتوبر، عاد الرئيس الجزائري عبد المجيد تبون إلى القضية، متحدثاً عن «استفزاز» من جهة لم يسمها، ومؤكدا في الوقت نفسه دعم بلاده لمالي والنيجر في مواجهة الجماعات الإرهابية.
ولا تبدو هذه التحركات مرتبطة بالجانب الأمني وحده. فالنيجر تشكل جزءا مهما من حسابات الجزائر الاقتصادية والاستراتيجية، خصوصا في ظل مشروع خط أنابيب الغاز العابر للصحراء، الذي يفترض أن يربط احتياطيات الغاز النيجيرية بالسوق الأوروبية عبر الأراضي الجزائرية.
المغرب ونيجيريا.. مشروعان متنافسان
في الخلفية، يوجد تنافس اقتصادي واستراتيجي آخر بين الجزائر والمغرب.
فالجزائر تراهن على خط الغاز العابر للصحراء، بينما يدفع المغرب ونيجيريا بمشروع غاز منافس يمتد بمحاذاة الساحل الغربي لأفريقيا وصولاً إلى المغرب ثم أوروبا.
وهكذا، يتحول الساحل إلى مساحة تتقاطع فيها الحسابات الأمنية مع المصالح الاقتصادية، في وقت تعمل فيه كل من الجزائر والمغرب على توسيع شراكاتهما داخل القارة.
وترى «فايننشال تايمز» أن صانع القرار الجزائري يشعر بوجود ضغوط متزايدة من أطراف يعتبرها منافسة أو معادية.
وينقل التحقيق عن إيفان غيشاوا، الباحث في مركز بون الدولي لدراسات النزاعات، أن الإحساس لدى الجزائر بأنها أصبحت محاصرة من أطراف قد تكون معادية آخذ في التزايد.
ولا يأتي هذا القلق من الجنوب فقط. فالجزائر تتابع أيضاً تنامي نفوذ المغرب في غرب أفريقيا، إلى جانب تطور العلاقات العسكرية والاستخباراتية بين الرباط وإسرائيل.
وفي المقابل، يمثل الوضع في مالي مصدر قلق أمني إضافي، ليس فقط بسبب نشاط الجماعات المسلحة، وإنما أيضاً بسبب المخاوف الجزائرية من أن تجد المطالب الانفصالية لدى الطوارق الماليين صدىً لدى الطوارق داخل الجزائر.
روسيا والإمارات.. عناصر إضافية في المشهد
وتزداد الصورة تعقيدا مع الحضور الروسي المتنامي في منطقة الساحل.
وبحسب التحقيق البريطاني، تحاول الجزائر تقديم تعاونها مع دول المنطقة على أنه بديل أكثر احتراما لسيادتها من نماذج الدعم التي تقدمها الجماعات شبه العسكرية الروسية.
أما العلاقة مع الإمارات، فقد وصلت بدورها إلى مرحلة من التوتر السياسي والدبلوماسي.
وكان تبون قد اتهم أبوظبي بالسعي إلى «السيطرة» على الجزائر، غير أن «فايننشال تايمز» أشارت إلى عدم وجود أدلة تثبت تورط الإمارات في محاولة زعزعة الاستقرار في النيجر، كما أن الجزائر لم توجه إليها اتهاما مباشرا بهذا الخصوص.
ومع تزايد الاضطرابات الأمنية وتغير التحالفات، يبدو أن الجزائر تحاول إعادة تثبيت حضورها في منطقة الساحل من خلال مزيج من التحرك الدبلوماسي والدعم الأمني والعلاقات الاقتصادية.
لكن المهمة ليست سهلة؛ فالساحل أصبح ساحة تنافس بين قوى عديدة، من المغرب والإمارات إلى روسيا، إلى جانب القوى المحلية التي أعادت رسم علاقاتها الخارجية خلال السنوات الأخيرة.
وبالنسبة للجزائر، لم يعد الحفاظ على نفوذها في هذه المنطقة مسألة مرتبطة بالسياسة الخارجية فقط، بل أصبح مرتبطاً بشكل مباشر بأمن حدودها الجنوبية، ومصالحها الاقتصادية، وموقعها في التوازنات الجديدة التي تتشكل في غرب أفريقيا.


