من “الشيخة” إلى غيرها من الشخصيات التي تصنع شهرتها عبر إثارة الجدل، يحق لنا أن نطرح سؤالا صريحا: ماذا يستفيد الوطن من هذا النوع ؟ وأين اختفت النماذج التي تستحق أن تكون مصدر فخر وإلهام للأجيال الصاعدة؟
لم يعد الأمر مجرد أخبار عابرة تتصدر مواقع التواصل الاجتماعي، بل أصبح ظاهرة تستحق الوقوف عندها طويلا. أسماء تتكرر باستمرار في النقاشات والمنشورات، وصور ومقاطع تحصد آلاف المشاهدات، واهتمام واسع بتفاصيل الحياة الشخصية والملابس والتصريحات المثيرة للجدل. وفي المقابل، هناك أستاذ يبذل جهده لتعليم الأطفال، وطبيب ينقذ الأرواح، وباحث يسعى إلى تطوير المعرفة، وشباب يكافحون يوميا من أجل بناء مستقبل أفضل، لكنهم لا ينالون القدر نفسه من الاهتمام.
وهنا يفرض السؤال نفسه: هل أصبح معيار الشهرة في مجتمعنا هو مقدار الضجة التي يثيرها الشخص، أم القيمة التي يقدمها للناس والوطن؟
إن الحديث عن شخصيات مثل شيحة لا ينبغي أن يتحول إلى تصفية حسابات شخصية، بل إلى نقاش أوسع حول نوع النماذج التي نمنحها مكانة في المجتمع. فالوطن لا يبنى بالشهرة وحدها، ولا ترتفع مكانته بكثرة المتابعين، وإنما بما يقدمه أبناؤه من علم وعمل وإبداع وأخلاق ومسؤولية.
ومن حق أي شخص أن يختار أسلوب حياته وملابسه في حدود القانون، لكن من حق المجتمع أيضا أن يناقش الرسائل التي تقدمها الشخصيات العامة، وأن يختلف مع أنماط الظهور التي يرى أنها لا تنسجم مع قيمه الثقافية والاجتماعية. فحرية الفرد لا تعني أن يصبح كل ما يفعله فوق النقد، كما أن احترام كرامة الإنسان لا يعني التنازل عن حق المجتمع في إبداء رأيه.
المشكلة ليست في الملابس وحدها، بل في تحويل الإثارة إلى مشروع للشهرة، وفي جعل المظاهر تتقدم على المضمون. فعندما تصبح الجرأة في الظهور، وإثارة الجدل، وتبادل الاتهامات، والتصريحات الصادمة، أكثر حضورا من الموهبة والثقافة والعمل الجاد، فإننا نكون أمام خلل في ترتيب الأولويات، يستحق أن يناقشه الإعلام والجمهور معا.
أما حين يتعلق الأمر بالفاحشة أو الفساد أو أي سلوك مخالف للقانون، فلا يجوز إطلاق هذه الأوصاف على أشخاص بعينهم من دون أدلة موثوقة. لكن ذلك لا يمنعنا من انتقاد المحتوى الذي نراه مبتذلاً، أو التساؤل عن جدوى الشهرة التي لا يصاحبها أثر اجتماعي واضح، أو المطالبة بإعلام يمنح القيم والمعرفة والإنجاز مساحة أكبر.
والأكثر إثارة للاستغراب أن بعض الناس يعلنون رفضهم لهذه النماذج، ثم يساهمون في نشر صورها ومقاطعها، ويتابعون أخبارها لحظة بلحظة. وهكذا يجدون أنفسهم، من حيث لا يشعرون، جزءا من الآلية التي تمنح هذه الشخصيات مزيداً من الانتشار. فالمنشور الذي نشاركه للاستهجان قد يصبح سببا في وصول صاحبه إلى آلاف المتابعين الجدد.
وهنا تقع مسؤولية كبيرة على وسائل الإعلام والمنصات الرقمية أيضا. لماذا تمنح بعض الوقائع الشخصية مساحة واسعة، بينما لا تحظى قضايا التعليم والصحة والبطالة والبحث العلمي والإنجازات الوطنية بالاهتمام الذي تستحقه؟ ولماذا يستدعى الجمهور باستمرار لمتابعة الجدل، بدلا من إشراكه في نقاشات ترفع وعيه وتساعده على فهم المشكلات الحقيقية التي تواجه المجتمع؟
إن المغرب لا تنقصه النماذج التي تستحق التقدير؛ ففيه كفاءات علمية ومهنية، ومبدعون ورياضيون، وأشخاص يعملون بصمت لخدمة أسرهم ومجتمعهم. لكن هذه النماذج تحتاج إلى إعلام ينصفها، وجمهور يلتفت إليها، وثقافة مجتمعية لا تجعل الشهرة مرادفاً للنجاح.
لسنا مطالبين بمنع الترفيه أو فرض نموذج واحد على الجميع، ولسنا بحاجة إلى إهانة الأشخاص حتى ننتقد سلوكهم. ما نحتاج إليه هو أن نعيد الاعتبار للسؤال الأهم: ما القيمة التي يضيفها الشخص إلى مجتمعه؟ وهل يستحق حجم الاهتمام الذي يحظى به، أم أن الضجة صنعت له مكانة أكبر من إنجازه الحقيقي؟
فالوطن ليس مجرد اسم نرفعه في المنشورات، بل مسؤولية وقيم وعمل وصورة نصنعها أمام أبنائنا والعالم. وليس كل مشهور ممثلا لقيم الوطن، كما أن تصرفات فرد واحد لا تختصر صورة بلد بأكمله.
ومن حق المغاربة أن يختلفوا حول الفن واللباس والحرية وحدود المقبول اجتماعيا، لكن من واجبنا أن نسأل أنفسنا بصدق: أي نماذج نريد أن يراها أطفالنا أمامهم؟ من نريد أن نمنحه التأثير؟ ومن يستحق أن تكون تجربته مصدر إلهام للأجيال القادمة؟
فحين نمنح أصحاب الإنجازات مكانتهم، ونكف عن تحويل كل فضيحة إلى حدث وطني، ونميز بين الشهرة والاستحقاق، نكون قد بدأنا بالفعل في تغيير المشهد.
لأن أخطر ما يمكن أن يحدث لأي مجتمع ليس أن تظهر فيه نماذج مثيرة للجدل، بل أن تصبح هذه النماذج عنوانا لاهتمامه، بينما يظل أصحاب القيمة الحقيقية في الظل.


