يعود ملف المديونية الخارجية في الجزائر إلى الواجهة مع تقدم مشروع خط السكة الحديدية الرابط بين شمال البلاد ومدينة تمنراست في أقصى الجنوب، بعدما كشفت وثائق المؤسسات المالية الدولية عن تمويلات خارجية مرتبطة بمقاطع من المشروع، الذي تقدر تكلفته الإجمالية بنحو 1910 مليارات دينار جزائري، أي ما يعادل قرابة 14.6 مليار دولار.
ويثير هذا التمويل تساؤلات بشأن موقف الرئيس عبد المجيد تبون من الاقتراض الخارجي، بعدما دافع لسنوات عن رفض الاستدانة، ووصفها في مناسبات سابقة بأنها تهديد للسيادة الوطنية. لكن المعطيات الرسمية تكشف اليوم عن تعاون مالي مع مؤسسات دولية لتمويل أجزاء من أحد أكبر المشاريع السككية في البلاد.
مشروع بقيمة 14.6 مليار دولار
كشف وزير المالية الجزائري، محمد الأمين لبو، خلال عرض مشروع قانون المالية لسنة 2027 أمام لجنة المالية والميزانية بالمجلس الشعبي الوطني، أن تكلفة مشروع خط السكة الحديدية الرابط بين الجزائر العاصمة وتمنراست تقدر بنحو 1910 مليارات دينار.
ويعد المشروع من أضخم الأوراش المدرجة ضمن الاستثمارات العمومية الجزائرية، إذ يستهدف إنشاء محور سككي يربط مناطق الشمال بالولايات الجنوبية، ويمتد عبر الأغواط وغرداية والمنيعة وعين صالح وصولا إلى تمنراست.
وبحسب المعطيات التي نشرتها وزارة الأشغال العمومية والبنية التحتية، ينقسم المشروع إلى شطرين رئيسيين. يمتد الأول بين الأغواط وغرداية والمنيعة على مسافة 495 كيلومترا، بينما يغطي الثاني المسافة بين المنيعة وعين صالح وتمنراست، بطول يصل إلى 1080 كيلومترا.
وأكدت الوزارة، في بيان صدر يوم 25 أكتوبر 2026، أن تمويل الشطر الأول يعتمد على البنك الإفريقي للتنمية والبنك الآسيوي للاستثمار في البنية التحتية، في حين تتكفل ميزانية الدولة بتمويل الشطر الثاني.
قروض دولية لتمويل الخط الحديدي
تظهر بيانات البنك الإفريقي للتنمية أن المشروع استفاد من تمويلات مهمة خلال مرحلتين متتاليتين.
ففي 12 ديسمبر 2025، وافق البنك على قرض بقيمة 747.32 مليون يورو لتمويل المرحلة الأولى من خط الأغواط–غرداية–المنيعة، الممتد على مسافة 495 كيلومترا.
وفي يوليوز 2026، أعلن البنك الإفريقي للتنمية الموافقة على تمويل إضافي بقيمة 878.09 مليون دولار، لتغطية المرحلة الثانية من المشروع، التي تشمل خصوصاً مقطع غرداية–المنيعة الممتد على 230 كيلومترا.
وتتضمن هذه المرحلة، إلى جانب إنشاء الخط الحديدي، تجهيزات السكك الحديدية والبنية التحتية المرافقة، فضلا عن أنشطة الدعم والتكوين.
ومن جهته، أدرج البنك الآسيوي للاستثمار في البنية التحتية مشروعا لتمويل محور السكك الحديدية الجزائري بقيمة مقترحة تبلغ 700 مليون دولار. ويشير الموقع الرسمي للمؤسسة إلى أن التمويل سيقدم في شكل قرض سيادي، لكن المشروع ما زال مصنفا ضمن العمليات المقترحة، وليس ضمن القروض المصادق عليها نهائياً.
وتوضح وثائق البنك الإفريقي المتعلقة بالمرحلة الثانية أن التمويل الآسيوي المتوقع لهذا المقطع يبلغ 275.5 مليون دولار، إلى جانب مساهمة البنك الإفريقي والحكومة الجزائرية.
من رفض الاستدانة إلى التعاون مع المؤسسات المالية الدولية
تكتسب هذه التمويلات أهمية سياسية بسبب التصريحات السابقة للرئيس عبد المجيد تبون بشأن الديون الخارجية.
ففي أكتوبر 2021، أكد تبون أن الجزائر لن تلجأ إلى الاستدانة الخارجية، واعتبر أن الاقتراض قد يقود البلاد إلى ما وصفه بـ«الانتحار السياسي».
كما شدد في تصريحات أخرى خلال السنوات اللاحقة على أن المديونية الخارجية قد تقيد القرار السياسي للدول، وتحد من استقلالية مواقفها في القضايا الدولية.
وفي ماي 2024، ربط الرئيس الجزائري رفض الاقتراض بمسألة السيادة الوطنية، قبل أن يعود في أبريل 2025، خلال زيارة إلى بشار، للتأكيد على أن الدولة التي تستدين قد تجد نفسها مضطرة إلى الصمت والتنازل عن مواقفها.
وتضع هذه التصريحات الموقف الحالي أمام اختبار سياسي واضح، خصوصا مع اعتماد مشروع استراتيجي بهذا الحجم على تمويلات من مؤسسات مالية دولية.
لكن من المهم التمييز بين رفض الاستدانة الخارجية كمبدأ سياسي، وبين اللجوء إلى قروض مخصصة لتمويل مشاريع البنية التحتية. فالأمر يتعلق بتغيير في أدوات التمويل، حتى وإن كانت السلطة الجزائرية لا تزال تقدم موقفها باعتباره حفاظا على الاستقلال المالي والسياسي.
قرض البنك الإسلامي للتنمية.. ما حقيقة مبلغ 3 مليارات دولار؟
عاد ملف التمويل الخارجي إلى الواجهة في ماي 2025. وأعلن رئيس البنك الإسلامي للتنمية عن تمويلات بقيمة 3 مليارات دولار للجزائر.
وكانت هذه التمويلات موجهة إلى مشاريع تنموية متعددة. وشملت قطاعات مختلفة، من بينها البنية التحتية.
كما ارتبط الإعلان بمشاريع تطوير شبكة السكك الحديدية. لكن المبلغ لم يكن قرضا مخصصا بالكامل لقطار تمنراست.
وهذا التفصيل مهم عند احتساب المديونية المرتبطة بالمشروع. فلا يمكن جمع جميع التعهدات المالية واعتبارها قروضا مخصصة للخط نفسه.
نهاية 2028.. موعد يثير تساؤلات حول التنفيذ
لكن المشروع يمتد على مسافة تتجاوز 2000 كيلومتر. ويتطلب إنجاز محطات وتجهيزات وأنظمة تشغيل وصيانة.
كما يمر الخط عبر مناطق صحراوية واسعة. وهذا يفرض تحديات تقنية ولوجستية على الشركات المنفذة.
ويطرح الجدول الزمني تساؤلات حول إمكانية احترام الموعد المحدد. خصوصا أن بعض المقاطع لا تزال في مراحل التحضير والإنجاز.
ولا يكفي الإعلان عن موعد التسليم للحكم على نجاح المشروع. فذلك يرتبط بتقدم الأشغال وتوفر التمويلات والقدرات التنفيذية.
ويفترض أن يساهم الربط السككي في تسهيل نقل المواد الأولية والمنتجات الصناعية والزراعية من المناطق الجنوبية نحو الموانئ والأسواق الداخلية.
وتقدم السلطات الجزائرية هذه المشاريع باعتبارها جزءا من استراتيجية لتنويع الاقتصاد وتطوير المناطق الجنوبية وخلق فرص العمل.
لكن نجاح هذه المشاريع يحتاج إلى نتائج اقتصادية ملموسة. ولا يكفي الإعلان عن الاستثمارات أو تدشين الأوراش.
كما تبرز الحاجة إلى نشر دراسات الجدوى الاقتصادية. وينبغي توضيح حجم البضائع والركاب المتوقع نقلهم عبر الخط.
بين خطاب السيادة ومتطلبات التمويل
يضع مشروع قطار تمنراست الحكومة الجزائرية أمام معادلة صعبة. فقد جعلت السلطة رفض الديون الخارجية جزءاً من خطابها السياسي.
لكنها تعتمد اليوم على مؤسسات مالية دولية لتمويل مشاريع كبرى. ويثير هذا التحول نقاشا حول مدى انسجام الخطاب مع الممارسة.
ولا يعني الاقتراض الخارجي بالضرورة فقدان الاستقلال السياسي. فالأمر يرتبط بشروط التمويل وقدرة الدولة على السداد.
لكن التناقض بين التصريحات السابقة والتمويلات الحالية يظل قائما. ويستحق ذلك توضيحا رسميا للرأي العام.







تُراجع تعليقات القرّاء قبل ظهورها على الموقع.
التعليقات تعبّر عن آراء أصحابها، ولا تعبّر بالضرورة عن رأي أنفانيوز. نرحّب بالنقاش المحترم، ونحتفظ بحق عدم نشر التعليقات التي تتضمن إساءة أو تشهيراً أو بيانات شخصية.