الأكثر مشاهدة

هل ظلمت “كلامور”؟ ثانية واحدة في لايف تنتهي بـ10 أشهر سجنا.. سؤال يتجاوز القضية

لم تعد قضية المؤثرة المغربية المعروفة باسم «كلامور» مجرد خبر عن حكم قضائي جديد، بل تحولت إلى مناسبة لإعادة طرح سؤال أكثر تعقيدا: كيف ينبغي للمجتمع والقانون أن يتعاملا مع خطأ يحدث في ثوان معدودة على مواقع التواصل؟

فقد أصدرت المحكمة الابتدائية بمراكش، الإثنين 17 غشت، حكما يقضي بسجن سكينة جناح، المعروفة باسم «كلامور»، 10 أشهر حبسا نافذا وغرامة قدرها 500 درهم، مع منعها من استعمال أو الظهور على مواقع التواصل الاجتماعي لمدة ثلاث سنوات، على خلفية نشر محتويات اعتبرت مخالفة للحياء العام والآداب العامة.

وكانت المعنية بالأمر قد أوقفت يوم 12 غشت بمطار محمد الخامس بالدار البيضاء، أثناء استعدادها لمغادرة المغرب، وذلك في إطار بحث أشرفت عليه النيابة العامة.

- Ad -

ولا يتعلق الأمر بشخصية تخوض تجربتها الأولى مع القضاء، إذ سبق أن أدينت في فبراير 2020 بسنتين حبسا نافذا وغرامة قدرها 10 آلاف درهم في قضية «حمزة مون بيبي»، قبل أن تغادر السجن في أكتوبر 2021 بعد قضائها العقوبة.

لكن السابقة القضائية لا ينبغي أن تمنع المجتمع من مناقشة العقوبة الجديدة ومبدأ التناسب فيها.

هل نتحدث عن فعل خطير أم عن زلة في بث مباشر؟

النقطة التي تستحق النقاش بهدوء هي طبيعة الواقعة التي فجرت هذه القضية.

فبحسب المعطيات المتداولة حول الملف، فإن الأمر ارتبط بمقطع ظهر خلال بث مباشر، تضمن في لحظة وجيزة كشفا لمناطق حساسة من جسد المؤثرة.

هنا يجب الفصل بين أمرين.

الأول هو حق المجتمع في الدفاع عن منظومته الأخلاقية والقيمية، وهو حق لا يمكن تجاهله، خصوصا في مجتمع محافظ يرى أن الفضاء العام، بما فيه الفضاء الرقمي، ليس منطقة بلا قواعد.

والثاني هو سؤال آخر لا يقل أهمية: هل كل خرق للقواعد الأخلاقية يستحق بالضرورة العقوبة السالبة للحرية؟

هذا السؤال لا يعني تبرير ما حدث، ولا يعني المطالبة بإلغاء القانون، ولا يعني التقليل من أهمية حماية القاصرين أو احترام الحياء العام.

إنه ببساطة سؤال عن التناسب بين الفعل والعقوبة.

من السهل أن يتحول النقاش حول هذه القضايا إلى مواجهة بين معسكرين: طرف يعتبر كل نقد للقضية دفاعا عن “الانحلال”، وطرف آخر يعتبر كل تدخل قانوني “تضييقا على الحرية”.

لكن الواقع أكثر تعقيدا.

يمكن للمرء أن يكون محافظا، وأن يرفض في الوقت نفسه فكرة أن تتحول كل زلة رقمية إلى عقوبة سجنية طويلة.

ويمكنه كذلك أن يؤمن بحرية التعبير، وأن يرى أن للمؤثرين مسؤولية حقيقية تجاه الجمهور، خصوصا عندما يكون المحتوى متاحا لملايين المستخدمين.

القيم لا تحتاج إلى قسوة العقوبة حتى تكون قوية، والقانون لا يفقد هيبته إذا كان متناسبا.

بل ربما تكون قوة القانون الحقيقية في قدرته على التفريق بين الجرائم الخطيرة، والسلوكيات التي يمكن معالجتها بوسائل قانونية أقل قسوة.

قد يقول قائل: “لكنها كانت في بث مباشر، وهي مسؤولة عما يظهر فيه”.

وهذا صحيح من حيث المبدأ.

الشخص الذي يختار أن يخاطب آلاف أو ملايين الأشخاص عبر الإنترنت يتحمل مسؤولية أكبر من شخص يرتكب زلة في حياته الخاصة.

لكن المسؤولية لا تعني بالضرورة أن كل خطأ يجب أن يقود إلى السجن.

فالقانون الحديث يقوم، في جزء كبير منه، على درجات مختلفة من المسؤولية والعقوبة، وعلى التمييز بين الفعل المتعمد والفعل العرضي، وبين السلوك المتكرر والزلة، وبين الضرر المحدود والضرر الجسيم.

وهنا يصبح السؤال مشروعا: هل أخذت هذه العناصر حقها من النقاش في مثل هذه القضايا؟

العقوبة ليست فقط مدة في السجن

الأمر الأكثر إثارة للتأمل في حكم «كلامور» ليس فقط مدة السجن، وإنما أيضا المنع من استخدام أو الظهور على مواقع التواصل لمدة ثلاث سنوات.

بالنسبة إلى مؤثرة، هذا القرار لا يعني مجرد الابتعاد عن الهاتف.

إنه يعني عمليا إيقاف نشاط مهني كامل، وقطع مصدر دخل، وإبعاد الشخص عن المجال الذي بنى فيه حضوره وشهرته.

وهذا يجعل النقاش حول التناسب أكثر أهمية.

فإذا كان الهدف من العقوبة هو الردع والإصلاح وحماية المجتمع، فيجب أن نسأل دائما: ما العقوبة التي تحقق هذه الأهداف بأكبر قدر من الفعالية وأقل قدر ممكن من الضرر؟

هل يمكن أن يكون الردع بلا سجن؟

ربما تكون هذه القضية فرصة لطرح سؤال أوسع حول السياسة الجنائية المتعلقة بالمحتوى الرقمي.

هناك فرق بين التساهل وبين التدرج في العقوبة.

يمكن، على سبيل المثال، أن تكون هناك آليات أكثر تنوعا عندما يتعلق الأمر بمحتوى لا يتضمن عنفا أو تحريضا أو استغلالا أو اعتداء على حقوق الآخرين: غرامات، أوامر بإزالة المحتوى، تدابير تربوية، برامج توعية، قيود محددة ومدروسة على النشر، أو عقوبات بديلة في الحالات التي يسمح بها القانون.

والهدف هنا ليس حماية المؤثر من نتائج أفعاله، وإنما حماية مبدأ التناسب نفسه.

لأن القيم لا تبنى بالخوف وحده

المجتمع المحافظ يريد فضاء عاما يحترم قيمه، وهذا مطلب مشروع.

لكن الحفاظ على القيم لا يعني أن تصبح السجون الوسيلة الأولى لمعالجة كل سلوك يعتبره المجتمع مستفزا أو غير لائق.

القيم الأقوى هي التي يستطيع الناس الدفاع عنها بالاقتناع والتربية والمسؤولية الاجتماعية، وبقانون عادل ومتوازن عندما تكون العقوبة ضرورية.

أما إذا أصبح الخوف من العقوبة هو الوسيلة الوحيدة لفرض السلوك، فإننا قد ننجح في إسكات بعض التصرفات، لكننا لا نضمن بالضرورة بناء وعي حقيقي بها.

القضية أكبر من «كلامور»

ربما تكون «كلامور» قد أخطأت، وربما كان عليها أن تتحمل مسؤولية ذلك الخطأ وفق القانون.

لكن هذا لا يمنع من طرح السؤال الذي يتجاوز شخصها:

هل نريد قانونا يعاقب فقط، أم قانونا يعاقب بقدر ما يلزم لتحقيق العدالة؟

والسؤال الآخر أكثر أهمية: عندما يرتكب شخص زلة رقمية تستمر أقل من ثانية، هل ينبغي أن تكون النتيجة بالضرورة أشهرا خلف القضبان وسنوات خارج المجال المهني؟

الإجابة لا يجب أن تأتي من التعاطف مع «كلامور» ولا من الرغبة في إرضاء المحافظين أو منتقديها.

يجب أن تأتي من مبدأ أبسط وأعمق: العقوبة العادلة ليست هي العقوبة الأقسى، وإنما العقوبة المتناسبة مع الفعل، والضرر، والقصد، والسياق، وسوابق المعني بالأمر.

وهذا النقاش لا يبرئ أحدا ولا يدين أحدا، لكنه قد يساعدنا على بناء طريقة أكثر نضجا في التعامل مع أخطاء العصر الرقمي، حيث يمكن لثانية واحدة أمام الكاميرا أن تبقى على الإنترنت إلى الأبد، بينما لا ينبغي بالضرورة أن تبقى آثارها القانونية والاجتماعية كذلك.

مقالات ذات صلة