الأكثر مشاهدة

12 قتيلا وعشرات المصابين في حرائق الجزائر.. حين يتحول غياب الاستباق إلى كارثة

رفعت الحرائق التي اجتاحت مناطق من شمال شرق الجزائر حصيلتها إلى 12 وفاة و54 مصابا، بينهم ستة يوجدون في حالة حرجة، وفق حصيلة أعلنها وزير الداخلية الجزائري. وتوزعت الوفيات بين جيجل وبجاية وتيزي وزو، فيما اضطرت السلطات إلى إجلاء عائلات من عدد من المناطق المهددة بالنيران.

وتزامنت هذه الخسائر مع انتشار واسع للحرائق، إذ أعلنت الحماية المدنية تسجيل 159 حريقا للغطاء النباتي في 16 ولاية شرقية، مع استمرار جهود الإخماد في عشرات البؤر، وسط ظروف مناخية صعبة ودرجات حرارة مرتفعة ورياح ساهمت في تسريع انتشار النيران.

ولا يمكن فصل هذه الكارثة عن تنامي مخاطر الحرائق في المنطقة خلال السنوات الأخيرة، بفعل ارتفاع درجات الحرارة وتراجع التساقطات وفترات الجفاف الطويلة. كما تشير المعطيات الواردة إلى ارتفاع كبير في عدد الحرائق المسجلة منذ بداية ماي مقارنة بالفترة نفسها من السنة الماضية.

- Ad -

سؤال الاستباق قبل وصول النيران

إلى جانب العامل المناخي، تطرح الحصيلة الثقيلة سؤالا آخر يتعلق بمدى جاهزية منظومة الوقاية والاستجابة قبل تحول الحريق الصغير إلى بؤرة واسعة يصعب التحكم فيها.

فالتعامل الفعال مع حرائق الغابات لا يبدأ عند وصول ألسنة اللهب إلى المنازل والقرى، بل قبل ذلك، عبر تحديد المناطق الأكثر عرضة للخطر، وتكثيف المراقبة، وضمان سرعة وصول فرق التدخل، وتوفير وسائل جوية وبرية قادرة على محاصرة الحريق في مراحله الأولى.

وهنا تبرز أهمية الاستثمار في الموارد البشرية والتجهيزات، خصوصا طائرات الإطفاء وأنظمة الرصد والإنذار المبكر، إلى جانب إعداد خرائط دقيقة للمناطق عالية الخطورة ووضع سيناريوهات تدخل مسبقة.

المغرب.. منظومة تقوم على التوقع والتدخل السريع

وفي المغرب، طورت السلطات خلال السنوات الأخيرة مقاربة تقوم على الاستباق، من خلال خرائط للتنبؤ بمخاطر حرائق الغابات تعتمد على معطيات الغطاء النباتي والطقس والتضاريس، بما يسمح بتحديد المناطق الأكثر عرضة للخطر والتعامل معها وفق درجات متفاوتة من اليقظة.

وتعتمد المنظومة المغربية أيضا على وسائل جوية متعددة، بينها ثماني طائرات من نوع “كنادير”، و15 طائرة “توربو تراش”، ومروحيتان تابعتان للدرك الملكي، إلى جانب أكثر من 2800 مراقب وحارس غابوي لمهام المراقبة والإنذار المبكر.

كما تعمل مختلف المصالح المتدخلة ضمن تنسيق موحد يشمل الوكالة الوطنية للمياه والغابات والوقاية المدنية والقوات المسلحة الملكية والدرك الملكي والسلطات المحلية، وهو ما يجعل سرعة اكتشاف الحريق وتعبئة الموارد عاملا أساسيا في الحد من الخسائر.

وفي الجزائر، تعيد حصيلة الحرائق الأخيرة هذا السؤال إلى الواجهة بقوة، خصوصا مع تزايد موجات الحر والجفاف، وهي ظروف تجعل الاستثمار في الوقاية والاستشعار المبكر ووسائل الإطفاء الجوية والبرية جزءا من الأمن المدني وليس مجرد استجابة موسمية للحرائق.

المغرب يراهن على الاستباق.. والجزائر تدفع ثمن ضعف الجاهزية

المفارقة اللافتة أن المغرب يتوفر على مجال غابوي يقارب 9.3 ملايين هكتار، أي أكثر من ضعف المساحة الغابوية التي تعلنها الجزائر والمقدرة بنحو 4.1 ملايين هكتار. ومع ذلك، لم يجعل المغرب من اتساع مجاله الغابوي مبررا لانتظار اندلاع الكارثة، بل اتجه إلى بناء منظومة تقوم على الرصد المبكر، وخرائط تحديد المناطق الأكثر عرضة للحرائق، وتوفير وسائل جوية للتدخل السريع، إلى جانب تعبئة مختلف الأجهزة المعنية قبل أن تتحول بؤر النار إلى حرائق واسعة.

أما الجزائر، فإن تكرار الحرائق وسقوط عشرات الضحايا خلال مواسم متتالية يطرح أسئلة جدية حول مدى نجاعة منظومة الوقاية والاستباق، خصوصا في ظل الاعتراف الرسمي بأن الحرائق تمثل خطرا متزايدا على البلاد. وهنا يظهر الفارق بين امتلاك الغابات وبين القدرة على حمايتها: فالمغرب، رغم امتلاكه مجالا غابويا أكبر بكثير، اختار الاستثمار في التوقع والتدخل المبكر، بينما تكشف الكوارث المتكررة في الجزائر أن التأخر في الاستعداد قد يحول حريقا محدودا إلى مأساة إنسانية واسعة.

مقالات ذات صلة