الأكثر مشاهدة

لا قمع باسم القيم.. ولا فوضى باسم الحرية: صورة فيصل عزيزي تفتح النقاش

أثارت صورة الفنان المغربي فيصل عزيزي، التي ظهر فيها بمظهر ولباس ومكياج ذي طابع أنثوي، جدلا واسعا بين رواد مواقع التواصل الاجتماعي، وانقسمت التعليقات بين من اعتبر الأمر تعبيرا عن الحرية الشخصية وحق الفرد في اختيار مظهره، وبين من رأى أن حرية الإنسان لا تنفصل عن طبيعة المجتمع الذي يعيش داخله وقيمه الثقافية والاجتماعية.

وبعيدا عن المواقف المتشنجة، فإن الصورة تفتح نقاشا أوسع من حدودها، يتعلق بسؤال قديم رافق الفلسفة والسياسة منذ قرون: أين تنتهي حرية الفرد، وأين تبدأ مسؤولياته تجاه المجتمع؟

جان جاك روسو، في كتابه «العقد الاجتماعي»، يختصر جانبا من رؤيته للحرية بالقول: «إن اندفاع الشهوة وحده عبودية، وطاعة القانون الذي فرضناه على أنفسنا هي الحرية».

- Ad -

ولا تعني هذه الفكرة أن المجتمع يجب أن يتحول إلى سلطة تراقب تفاصيل حياة أفراده أو تفرض عليهم نمطا واحدا في اللباس والتعبير والاختيار. على العكس، فالحرية الشخصية تظل قيمة أساسية، ولا يمكن بناء مجتمع متوازن إذا كان الاختلاف وحده سببا للإقصاء أو السخرية أو العقاب.

لكن الحرية، في المقابل، ليست مرادفا لفعل كل ما نريد من دون أي اعتبار للمحيط الذي نعيش فيه. فالإنسان لا يعيش معزولا عن الآخرين، وإنما داخل مجتمع له ثقافة وقيم وتقاليد وقوانين، ويصبح من الطبيعي أن تطرح بعض الاختيارات الفردية أسئلة ونقاشات عندما تتقاطع مع ما يعتبره المجتمع مقبولا أو مألوفا.

نعم للحرية، ولكن الحرية المسؤولة

نعم لأن الإنسان يجب أن يمتلك مساحة شخصية يعيش فيها اختياراته من دون خوف من التنمر أو التشهير أو العنف أو الإقصاء لمجرد اختلافه.

ونعم أيضا لمسؤولية الفرد، لأن الحرية لا تعني تجاهل الآخرين أو استفزازهم عمدا أو احتقار قيمهم أو تحويل الاختلاف إلى وسيلة لفرض رؤية معينة على المجتمع.

وفي الاتجاه المقابل، لا ينبغي للمجتمع أن يتحول إلى سلطة اجتماعية تلاحق كل شخص يختلف في مظهره أو أفكاره، ما دام لا يعتدي على حقوق الآخرين ولا يخالف القانون. الاختلاف وحده لا ينبغي أن يكون مبررا للإهانة أو التحريض أو التضييق.

كما أن القانون، في أي مجتمع متوازن، لا يفترض أن يتدخل في كل ما يثير استياء فئة من الناس. فهناك فرق كبير بين ما لا يعجبنا وبين ما يجرمه القانون. وهذه المسافة ضرورية حتى لا تتحول المشاعر الشخصية أو الأحكام الاجتماعية إلى عقوبات جماعية.

وفي المقابل، لا يمكن أن تكون عبارة «هذه حريتي» جوابا نهائيا عن كل شيء. فحرية الفرد تتوقف عندما تبدأ حقوق الآخرين، ومسؤوليته تزداد كلما كان تأثير اختياره أوسع من دائرته الشخصية.

المطلوب إذن ليس مجتمعا يخاف من الحرية، ولا مجتمعا يجعل من الحرية ذريعة لإلغاء كل قيمة أو قاعدة أو حس بالمسؤولية.

المطلوب هو توازن صعب لكنه ممكن: فرد يحترم المجتمع الذي يعيش فيه، ومجتمع يحترم الفرد المختلف داخله، وقانون يحمي الحقوق من دون أن يتحول إلى أداة للتضييق على الاختيارات الشخصية التي لا تشكل اعتداء على الآخرين.

وربما تكون صورة فيصل عزيزي، بكل ما أثارته من نقاش، فرصة للتفكير في هذا التوازن بدلا من تحويلها إلى معركة بين معسكرين.

فالمجتمع القوي ليس هو الذي يلغي الاختلاف، كما أن الفرد الحر ليس هو الذي يتجاهل محيطه.

الحرية مسؤولية، والاختلاف حق، واحترام المجتمع مسؤولية، واحترام الفرد المختلف كذلك مسؤولية.

وبين هذه الحدود الدقيقة يمكن أن تنشأ مساحة أكثر نضجا: لا قمع فيها باسم القيم، ولا فوضى باسم الحرية.

مقالات ذات صلة