دخلت أحداث سبتة الأخيرة دائرة اهتمام المؤسسات الأوروبية، بعدما اعتبرت المفوضية الأوروبية أن المعلومات المضللة المنتشرة عبر مواقع التواصل الاجتماعي قد تكون ساهمت في تأجيج موجة التدفق نحو المدينة خلال نهاية يوليوز.
وطالبت المفوضة الأوروبية المكلفة بالسيادة التكنولوجية والأمن والديمقراطية، هينا فيركونن، منصتي «ميتا» و«تيك توك» باتخاذ إجراءات حازمة لمواجهة التضليل الرقمي، خصوصا خلال الأزمات التي يمكن أن تؤدي فيها الأخبار الكاذبة إلى تحركات جماعية يصعب احتواؤها.
وقالت المسؤولة الأوروبية إن المنصات الرقمية مطالبة بتعزيز مراقبتها للمحتوى خلال فترات الأزمات، إلى جانب تقوية التعاون مع جهات التحقق من الأخبار، مشيرة إلى أن المفوضية أجرت محادثات مع المنصتين بشأن أحداث سبتة، على أن تتابع الملف خلال الأيام المقبلة.
شائعة «الحدود مفتوحة» تحت المجهر
وبحسب المعطيات التي تتابعها السلطات الأوروبية، انتشرت عبر شبكات التواصل منشورات تزعم أن الحدود في سبتة أصبحت مفتوحة، وهو ما ساهم، إلى جانب عوامل أخرى، في دفع أعداد كبيرة من الأشخاص إلى محاولة الوصول إلى المدينة.
وتحولت هذه المعلومة غير الصحيحة إلى عنصر رئيسي في النقاش الأوروبي حول دور المنصات الرقمية في إدارة الأزمات، خصوصا أن انتشارها تم بسرعة كبيرة عبر شبكات التواصل.
وتزامنت هذه التطورات مع تحذيرات أوروبية من استغلال منصات التواصل لتوجيه تحركات جماعية أو تضخيم الأزمات، في وقت لا تزال فيه الجهات المختصة تبحث في طبيعة الجهات التي وقفت وراء نشر هذه المعلومات.
بروكسل: التضليل أصبح جزءا من معادلة أمن الحدود
ووصف المفوض الأوروبي المكلف بالشؤون الداخلية والهجرة، ماغنوس برونر، أحداث سبتة بأنها اختبار لقدرة الاتحاد الأوروبي على حماية حدوده ومواجهة التضليل في الفضاء الرقمي.
وقال إن موجة العبور غذتها شبكات إجرامية متخصصة في تهريب المهاجرين، إلى جانب المعلومات المضللة، لكنه شدد على أن تحديد الجهة التي تقف وراء ما وصفه بـ«استغلال» الوضع عبر الإنترنت لا يزال مبكرا.
ولم يستبعد المسؤول الأوروبي وجود جهات خارجية، لكنه أكد أن التحقيقات لم تحسم ما إذا كان الأمر يتعلق بشبكات التهريب وحدها أو بجهة أخرى، مشيرا إلى احتمال فرضيات متعددة، من بينها تدخل دولة أجنبية.
ودعا برونر إلى تعزيز قدرة الاتحاد الأوروبي على رصد اتجاهات التضليل على شبكات التواصل، بالتنسيق مع وكالة الشرطة الأوروبية «يوروبول» وبقية المؤسسات المختصة.
تحقيق رقمي يتحدث عن «عملية منظمة»
وفي سياق متصل، خلص تحقيق مفتوح المصدر أجرته شركة التكنولوجيا «غولدن أول» إلى وجود مؤشرات، بدرجة ثقة مرتفعة، على أن موجة العبور نحو سبتة كانت «عملية منظمة بشكل متعمد».
لكن هذه الخلاصة لا تحسم وحدها الجهة التي تقف وراء العملية، كما أن التحقيقات الأوروبية الرسمية لا تزال مستمرة لتحديد طبيعة الشبكات التي ساهمت في انتشار الدعوات والمعلومات المضللة.
وتزامنت هذه التطورات مع إجراءات إسبانية لإعادة الأشخاص الذين دخلوا إلى سبتة خلال يومي 30 و31 يوليوز، حيث أعلنت مدريد أن غالبية من دخلوا المدينة خلال تلك الفترة غادروها مجددا، بينما تحدثت السلطات عن سقوط عشرات الوفيات خلال محاولات العبور، خصوصا نتيجة الغرق.
سبتة تكشف وجها جديدا لأزمة الهجرة
وأعادت أحداث سبتة إلى الواجهة العلاقة المتزايدة بين الهجرة غير النظامية والفضاء الرقمي، بعدما أصبح انتشار معلومة واحدة عبر منصات التواصل قادرا على الوصول إلى آلاف الأشخاص خلال وقت قصير.
وتنظر المؤسسات الأوروبية إلى هذه الظاهرة باعتبارها تحديا يتجاوز محاربة الأخبار الكاذبة، لارتباطها أيضا بأمن الحدود، ومكافحة شبكات التهريب، وحماية المستخدمين من المعلومات التي قد تدفعهم إلى اتخاذ قرارات خطرة.
وبينما تستمر التحقيقات في تحديد الجهات التي غذت موجة التضليل خلال أحداث سبتة، يبدو أن بروكسل تتجه إلى تشديد الضغط على المنصات الرقمية لضمان سرعة أكبر في التعامل مع المحتويات المضللة، خصوصا عندما تتزامن مع أزمات إنسانية وأمنية حساسة.


