مع اقتراب موسم الصيف، لا تعود الهجرة إلى أوروبا مجرد قصة اقتصادية أو اجتماعية، بل تتحول في بعض الحالات إلى صورة تعرض أمام الناس.
سيارات مستعملة تظهر فجأة في الشوارع، ملابس تحمل علامات تجارية، هواتف حديثة، سهرات ومطاعم، وحديث متكرر عن الحياة في الخارج.
لكن خلف هذه الصورة اللامعة، قد توجد قصة مختلفة تماماً: شخص أمضى عاما كاملا في الغربة وهو يحسب مصاريفه بدقة، ثم قرر خلال أسابيع قليلة أن ينفق جزءاً كبيراً مما ادخره من أجل الظهور بمظهر مختلف أمام المحيطين به.
عندما يصبح الصيف امتحانا للمظاهر
بالنسبة لبعض الأشخاص، تبدأ المنافسة قبل العودة إلى المغرب.
ما السيارة التي سيقودها؟ ماذا سيشتري؟ كيف سيظهر أمام العائلة والأصدقاء؟ وما الصورة التي يريد أن يتركها لدى الأشخاص الذين لم يروه منذ أشهر؟
وهكذا، تتحول العطلة من فرصة للراحة ولمّ الشمل إلى نوع من العرض الاجتماعي المؤقت.
كل شيء محسوب: اللباس، السيارة، المطاعم وحتى طريقة الحديث عن الحياة في أوروبا.
لكن المشكلة ليست في امتلاك سيارة أو شراء ملابس جيدة. المشكلة تبدأ عندما يصبح الهدف الأساسي هو إقناع الآخرين بحياة أكبر من الواقع.
أوروبا التي تظهر في العطلة ليست دائما أوروبا الحقيقية
من أكثر الصور التي يمكن أن تخلقها هذه الظاهرة أن يبدو المهاجر وكأنه يعيش حياة مثالية بمجرد وصوله إلى المغرب.
يتحدث البعض عن الرواتب المرتفعة، والسيارات، والمنازل، والسفر، وكأن الحياة في الخارج لا تعرف الأزمات.
لكن الواقع أكثر تعقيدا.
هناك مصاريف السكن والطاقة والتأمين والضرائب، وهناك العمل لساعات طويلة، وضغوط الحياة اليومية، وأحيانا الديون والالتزامات الأسرية.
ما يراه الناس خلال أسبوعين من العطلة لا يمثل بالضرورة 365 يوما من حياة المهاجر.
الأخطر أن هذه المظاهر لا تتوقف عند حدود التفاخر.
فالشاب الذي يعاني البطالة أو يعيش ظروفاً اقتصادية صعبة قد يرى في ذلك المشهد دليلاً على أن أوروبا هي الطريق السريع إلى الثراء.
سيارة، ملابس، هاتف، وبعض الأموال في اليد… فيبدأ السؤال:
لماذا أبقى هنا؟ ولماذا لا أذهب أنا أيضا؟
وهنا تصبح الصورة المبالغ فيها مشكلة اجتماعية، لأنها تخفي الجزء الأصعب من تجربة الهجرة وتظهر فقط النتيجة التي يراد للناس رؤيتها.
ليس كل مغترب يعيش هذه الصورة
ومن المهم عدم وضع جميع أفراد الجالية في سلة واحدة.
هناك آلاف المغاربة المقيمين بالخارج الذين يعودون إلى وطنهم بهدوء، ويزورون عائلاتهم، ويساعدون أقاربهم، ويستثمرون أموالهم، ويعيشون عطلتهم بعيداً عن الاستعراض.
كما أن شراء سيارة أو ارتداء ملابس جيدة لا يعني أن صاحبها يتظاهر أو يكذب.
المسألة تتعلق بالسلوك عندما يتحول الاستهلاك إلى وسيلة لإثبات القيمة الشخصية.
في مجتمع تنتشر فيه المقارنات الاجتماعية، يمكن للمظاهر أن تترك أثرا نفسيا كبيرا على من يعيش ظروفاً أقل راحة.
شخص يكافح من أجل توفير احتياجات أسرته قد يجد نفسه يقارن حياته بصورة مثالية يقدمها شخص آخر خلال فترة قصيرة.
وهنا لا تكون المشكلة في نجاح الآخر، وإنما في تحويل النجاح إلى وسيلة لإشعار الآخرين بالفشل.
فالإنسان يستطيع أن يفرح بما حققه دون أن يجعل من إنجازاته أداة للحكم على الآخرين.
المغترب الحقيقي لا يحتاج إلى إثبات نفسه
في النهاية، لا توجد مشكلة في أن يعود المهاجر إلى المغرب بسيارة جميلة أو ملابس جديدة أو أن ينفق المال الذي جمعه بجهده.
لكن هناك فرقا كبيرا بين الاستمتاع بما تملك وبين التظاهر بما لا تملك.
الغربة ليست دائما جنة، كما أن البقاء في المغرب ليس دائما فشلا.
لكل حياة ثمنها، ولكل إنسان ظروفه التي لا تظهر في الصور.
وربما يكون أجمل ما يمكن أن يحمله المهاجر معه عند عودته ليس سيارة فاخرة ولا ساعة غالية، وإنما الصدق والتواضع وذكريات جميلة مع أهله.
فالصيف ينتهي سريعا، والمظاهر تختفي، لكن الإنسان يبقى بما هو عليه فعلا، لا بما حاول أن يبدو عليه أمام الآخرين.


