عندما يسمع المواطن العادي عبارة “الذكاء الاصطناعي”، قد يتبادر إلى ذهنه الهاتف الذكي أو روبوتات المحادثة أو السيارات ذاتية القيادة. لكن القصة أكبر بكثير. فهذه التكنولوجيا بدأت تدخل بهدوء إلى مجالات تمس حياة الناس مباشرة، من المستشفى إلى مكان العمل، وتطرح سؤالا بسيطا لكنه مهم: كيف ستغير حياتنا خلال السنوات المقبلة؟
هل يمكن للذكاء الاصطناعي أن يكتشف المرض قبل أن نشعر به؟
في المجال الصحي، تظهر واحدة من أكثر الوعود إثارة للاهتمام. فالذكاء الاصطناعي أصبح قادرا على تحليل كميات ضخمة من المعلومات الطبية والصور والفحوصات خلال وقت قصير، ومساعدة الأطباء في ملاحظة تفاصيل قد يصعب اكتشافها بالعين البشرية.
الدكتور إريك توبول، أحد أبرز الباحثين في الطب الرقمي، يرى أن الجمع بين الذكاء الاصطناعي والبيانات الصحية والجينوم والصور الطبية يمكن أن يدفع الطب تدريجيا من نموذج ينتظر ظهور المرض إلى نموذج يحاول توقع الخطر والتدخل في وقت أبكر. وفي أبحاث ومراجعات حديثة، أشار توبول إلى تقدم واضح خصوصا في تحليل الصور الطبية والتنبؤ بمخاطر بعض الأمراض، بما فيها السرطان وأمراض القلب.
لكن هذا لا يعني أن الذكاء الاصطناعي سيصبح طبيبا خارقا يعرف مسبقا من سيصاب بالسرطان أو الجلطة. ما زالت هناك حاجة إلى تجارب سريرية واسعة، وبيانات عالية الجودة، ورقابة بشرية وقواعد واضحة لحماية المرضى. ومنظمة الصحة العالمية نفسها تؤكد أن الذكاء الاصطناعي يحمل إمكانات كبيرة في التشخيص والرعاية ومراقبة الأمراض، لكنها تحذر من مخاطر الخصوصية والأخطاء وعدم المساواة إذا جرى استخدامه دون ضوابط.
وفي بعض المجالات بدأت النتائج تصبح ملموسة بالفعل. فقد أظهرت أبحاث وتجارب أن أدوات الذكاء الاصطناعي يمكن أن تساعد الأطباء في قراءة الصور الطبية وتحسين اكتشاف بعض الأمراض. كما أن تطبيقات الذكاء الاصطناعي بدأت تستخدم في متابعة المرضى وتحليل البيانات وتخفيف الأعمال الإدارية عن الأطباء، وهو ما قد يتيح لهم وقتا أكبر للتواصل المباشر مع المرضى.
وماذا عن الخوف من فقدان الوظيفة؟
إذا كان المرض يمثل أحد أكبر مخاوف الإنسان، فإن الرزق والعمل يأتيان في المرتبة نفسها تقريبا. وهنا تبدو الصورة أكثر تعقيدا.
فالذكاء الاصطناعي قادر على تنفيذ عدد متزايد من المهام التي كانت تحتاج في السابق إلى موظفين، خصوصا الأعمال المتكررة مثل إدخال البيانات، معالجة بعض الوثائق، خدمة العملاء وبعض المهام المكتبية والتحليلية. وتشير تحليلات ماكينزي إلى أن الطلب على بعض الوظائف المكتبية وخدمات العملاء قد يتراجع، بينما يمكن أن يرتفع الطلب على وظائف مرتبطة بالتكنولوجيا والصحة والعلوم.
لكن السيناريو ليس ببساطة “الروبوتات ستأخذ وظائف البشر”. تقرير المنتدى الاقتصادي العالمي حول مستقبل الوظائف يتوقع أنه بحلول 2030 قد يتم خلق 170 مليون وظيفة جديدة مقابل إزاحة 92 مليون وظيفة، مع تغير نحو 39% من المهارات المطلوبة في الوظائف الحالية. وهذا يعني أن المشكلة الأساسية قد لا تكون اختفاء العمل، بقدر ما ستكون قدرة الناس على الانتقال من وظائف ومهارات قديمة إلى أخرى جديدة.
هل ستصبح الحياة أرخص؟
هنا يجب الحذر من الوعود الكبيرة. فالذكاء الاصطناعي يمكن أن يخفض تكلفة بعض العمليات والخدمات من خلال رفع الإنتاجية وتقليل الوقت الذي تحتاجه الشركات لإنجاز المهام، لكن ذلك لا يعني تلقائيا أن أسعار المعيشة ستنخفض للجميع.
في قطاع الصحة مثلا، تشير ماكينزي إلى أن الذكاء الاصطناعي يمكن أن يساهم في تقليل الأعمال الإدارية وتحسين الإنتاجية، كما يمكن أن يحقق وفورات في بعض العمليات. لكن حجم الاستفادة الفعلية سيعتمد على طريقة تطبيق التكنولوجيا وتكلفتها والتنظيم وطريقة توزيع المكاسب.
وفي النهاية، قد تكون أكبر معركة في عصر الذكاء الاصطناعي ليست بين الإنسان والآلة، وإنما حول من سيستفيد من هذه التكنولوجيا وكيف ستوزع فوائدها. فالآلة قد تساعد الطبيب على اكتشاف المرض في وقت مبكر، وقد تساعد العامل على إنجاز عمله بسرعة أكبر، لكنها لن تحدد وحدها شكل المجتمع المقبل.
المسؤولية ستبقى لدى الحكومات والشركات والمؤسسات التعليمية في توفير التكوين، حماية البيانات، وضع القواعد، ومساعدة الناس على اكتساب المهارات الجديدة. أما المواطن، فالتحدي أمامه سيكون واضحا: أن يتعلم باستمرار، لأن الوظيفة التي ستختفي غدا قد لا تعني نهاية العمل، بل قد تعني بداية نوع جديد منه.


