يبدو أن التعاون العسكري بين المغرب والولايات المتحدة يتجه نحو مرحلة أكثر تطورا، بعدما اختارت واشنطن موقعا بالمملكة ضمن شبكة محدودة من ميادين الاختبار المخصصة لتجريب تقنيات عسكرية حديثة، في خطوة قد تمنح المغرب دوراً متقدماً في منظومة تطوير واختبار أسلحة الجيل الجديد.
وأعلن الجيش الأمريكي رسميا اختيار أربعة مواقع داخل الولايات المتحدة لفتحها أمام شركات الصناعات الدفاعية، وهي دوجواي في ولاية يوتا، ويوما في أريزونا، ومعسكر شيلبي في ميسيسيبي، ومعسكر غرايلينغ في ميشيغان. وينضاف إليها موقع خامس في المغرب، مرتبط بمركز التدريب العسكري المتقدم متعدد المجالات المعروف اختصاراً بـAMTEC.
ويعني هذا الاختيار أن دور الموقع المغربي لن يقتصر على استضافة تدريبات عسكرية مشتركة، بل يمكن أن يتحول إلى منصة مفتوحة أمام شركات تطوير المعدات الدفاعية لاختبار تقنياتها في ظروف تحاكي بيئات القتال الحديثة.
وتشمل المجالات المستهدفة الطائرات المسيّرة، وأنظمة مكافحة الطائرات المسيّرة، والصواريخ بعيدة المدى، والطائرات الاعتراضية، إضافة إلى تقنيات الحرب الإلكترونية والأنظمة العسكرية الناشئة.
وتكمن أهمية الموقع المغربي، وفق التصور الأمريكي، في إمكانية إجراء الاختبارات في بيئة عملياتية معقدة، حيث يمكن محاكاة ظروف مثل التشويش الإلكتروني، وضعف الاتصالات، وتنازع المجال الجوي، والعمل ضمن طيف كهرومغناطيسي متنازع عليه.
وهذا البعد يمنح الاختبارات طبيعة مختلفة، إذ لا يتعلق الأمر فقط بإطلاق صاروخ أو تحليق طائرة مسيرة، وإنما بقياس قدرة الأنظمة العسكرية على العمل في ظروف مشابهة لما قد تواجهه في ساحات القتال الفعلية.
وتسعى واشنطن من خلال هذا البرنامج إلى تقليص الوقت اللازم لتحويل الأفكار والنماذج الأولية إلى أنظمة قابلة للاستخدام. وتقوم الفكرة على اختبار المعدات في مراحل مبكرة، واكتشاف نقاط الضعف، ثم تعديلها وإعادة اختبارها بسرعة، بدلاً من انتظار اكتمال المنتج قبل إخضاعه للتجربة العسكرية.
ويفتح هذا النموذج الباب أمام شركات دفاعية ومطورين لتجربة تقنياتهم في بيئات عسكرية متقدمة، حتى في حال عدم وجود عقود سابقة مع الحكومة الأمريكية أو علاقات قائمة مع مؤسسات فدرالية.
وفي هذا السياق، يكتسب مشروع AMTEC في المغرب أهمية خاصة، إذ يُرتقب أن يتطور ليشمل مجمعا متعدد المجالات للتدريب والاختبار، إلى جانب أكاديمية متخصصة في الطائرات المسيّرة ومركز للابتكار والتجريب.
وينظر إلى منطقة طانطان باعتبارها جزءا أساسيا من هذا المشروع، بالنظر إلى طبيعة المجال المتاح لإجراء التدريبات والاختبارات العسكرية واسعة النطاق، وهو ما قد يجعلها مستقبلا نقطة جذب لشركات تعمل على تطوير تقنيات عسكرية موجهة إلى ساحات القتال الحديثة.
كما أن الاختبارات المرتبطة بالصواريخ والطائرات المسيرة تكتسب أهمية إضافية في ظل التحول الذي تعرفه الحروب الحديثة، حيث أصبحت الطائرات بدون طيار والحرب الإلكترونية والضربات بعيدة المدى عناصر رئيسية في العمليات العسكرية.
وبحسب المعطيات المتداولة، فإن اختبار صاروخ «أنثيم» في المغرب خلال الفترة الأخيرة يمكن قراءته ضمن هذا السياق الأوسع، باعتباره نموذجا لنمط جديد من التعاون لا يقتصر على التدريبات المشتركة، وإنما يمتد إلى اختبار وتطوير التقنيات العسكرية.
ومن شأن هذا التطور أن يعزز موقع المغرب كشريك عسكري مهم للولايات المتحدة في القارة الإفريقية، خصوصا مع تنامي اهتمام واشنطن بالتقنيات التي يمكن أن تمنح قواتها قدرة أكبر على العمل في بيئات قتال شديدة التعقيد.
لكن المشروع يحمل أيضا دلالة أوسع: فالمغرب لا يظهر هنا فقط كموقع لاستضافة تدريبات عسكرية أمريكية، بل كجزء من منظومة اختبار دولية للتقنيات التي قد تشكل ملامح حروب المستقبل.
ومن الطائرات المسيرة إلى الصواريخ بعيدة المدى، مروراً بأنظمة مكافحة المسيرات والحرب الإلكترونية، تبدو منطقة طانطان مرشحة للانتقال من دور التدريب العسكري التقليدي إلى دور أكثر ارتباطا بالابتكار والتجريب واختبار أسلحة وتقنيات الجيل القادم.


