بعد شهر كامل من تشديد إجراءات المراقبة على القادمين من إسبانيا بسبب أزمة سبتة، كشفت الأرقام الإيطالية الأولى عن مفارقة لافتة: مئات الآلاف من المسافرين خضعوا للفحص والتدقيق، لكن عدد الأشخاص الذين مُنعوا من دخول البلاد بقي محدوداً للغاية.
فخلال شهر أغسطس الماضي، تحققت السلطات الإيطالية من بيانات ما يقارب نصف مليون مسافر بمقارنتها مع قوائم الركاب، فيما خضع أكثر من 180 ألف شخص قادمين من إسبانيا لإجراءات مراقبة عند وصولهم إلى الأراضي الإيطالية.
ومع ضخامة هذه العملية، لم تصدر سوى 31 حالة رفض للدخول أو إعادة عند الحدود، من بينها ثماني حالات فقط تخص مواطنين مغاربة. كما أسفرت عمليات التفتيش عن توقيف ستة أشخاص.
إجراءات استثنائية بنتائج محدودة
وتكشف هذه الحصيلة حجم الهوة بين نطاق الإجراءات الأمنية والنتائج التي أسفرت عنها. فمن بين أكثر من 180 ألف مسافر تم فحصهم، لم يُرفض دخول سوى شخص واحد تقريباً من كل 5800 مسافر.
ورغم ذلك، لم تدفع هذه الأرقام روما إلى التراجع عن إجراءاتها، بل قررت الحكومة الإيطالية تمديد الرقابة الاستثنائية على الحدود لمدة خمسة عشر يوماً إضافية.
وبرر وزير الداخلية الإيطالي ماتيو بيانتيدوسي القرار بنتائج تقييم أجرته الجهات المختصة بشؤون الهجرة وأمن الحدود، معتبراً أن الأسباب التي دفعت إلى فرض الرقابة لم تختف بشكل كامل.
لكنه في المقابل أعرب عن أمله في أن يكون التمديد الجديد هو الأخير، مشيراً إلى الجهود التي تبذلها إسبانيا والاتحاد الأوروبي من أجل إعادة الوضع في سبتة إلى طبيعته.
تعود بداية هذه الإجراءات إلى الأحداث الاستثنائية التي شهدتها مدينة سبتة في 30 و31 يوليوز الماضي، عندما تحولت تقديرات أولية تحدثت عن بضعة آلاف من محاولات العبور إلى تدفق بشري ضخم بلغ، بحسب المعطيات المتداولة، نحو 72 ألف شخص.
وأثارت هذه التطورات مخاوف لدى الحكومة الإيطالية من احتمال تمكن بعض الأشخاص الذين وصلوا إلى سبتة من الانتقال لاحقاً داخل فضاء شنغن.
ولهذا السبب، أعادت روما في الأول من أغسطس فرض عمليات تفتيش على المسافرين القادمين من إسبانيا عبر الموانئ والمطارات، في خطوة أعادت عملياً الرقابة الحدودية بين بلدين ينتميان إلى منطقة شنغن.
مدريد ترفض الرواية الإيطالية
لكن الحكومة الإسبانية لم تتقبل التبريرات الإيطالية، ورفضت فكرة أن الأشخاص الذين وصلوا إلى سبتة يشكلون تهديدا مباشرا لبقية دول شنغن.
وتؤكد مدريد أن المهاجرين الموجودين في المدينة لا يستطيعون الانتقال بحرية إلى البر الإسباني، كما تشير إلى أن نسبة كبيرة ممن دخلوا سبتة عادوا بالفعل إلى المغرب.
وبحسب السلطات الإسبانية، غادر نحو تسعة من كل عشرة أشخاص المدينة، فيما لا يزال عدة آلاف داخلها، بينهم عدد من القاصرين.
أزمة تتحول إلى مواجهة بين مدريد وروما
ولم يعد الخلاف مقتصراً على ملف سبتة، إذ امتد سريعا إلى العلاقات بين إسبانيا وإيطاليا.
فرداً على إجراءات التفتيش التي فرضتها روما على القادمين من الأراضي الإسبانية، بدأت مدريد بدورها تطبيق إجراءات مراقبة على المسافرين القادمين من إيطاليا، قبل أن توسع نطاق هذه التدابير مؤخراً.
وهكذا تحولت أزمة الهجرة التي انطلقت من سبتة إلى خلاف أوروبي حول حرية التنقل داخل فضاء شنغن.
وتبقى الأرقام الإيطالية بعد الشهر الأول مثيرة للتساؤل: فبينما تم فحص نحو نصف مليون مسافر وتدقيق هويات أكثر من 180 ألف شخص، لم تتجاوز حالات المنع 31 شخصاً فقط، بينهم ثمانية مغاربة، دون وجود معطيات تربط هؤلاء مباشرة بأحداث العبور الجماعي التي شهدتها سبتة.
ومع ذلك، اختارت روما مواصلة تشديد الرقابة، في انتظار ما إذا كانت الأسابيع المقبلة ستؤكد المخاوف الأمنية التي دفعت إلى اتخاذ هذه الإجراءات، أم أن الأرقام ستثبت أن أزمة سبتة كانت أكبر من نتائجها الفعلية على حركة التنقل داخل أوروبا.


