يتزايد الاهتمام الأمريكي بمدينة الداخلة ومشاريعها الاستراتيجية بشكل لافت. فبعد زيارة قام بها مسؤولون اقتصاديون ودبلوماسيون أمريكيون قبل أسابيع، انتقل الاهتمام هذه المرة إلى المستوى العسكري، مع زيارة وفد من كبار المسؤولين العسكريين الأمريكيين لموقع ميناء الداخلة الأطلسي.
وأعلنت سفارة الولايات المتحدة بالمغرب، الثلاثاء فاتح شتنبر، أن مسؤولين عسكريين أمريكيين رفيعي المستوى تابعين للسفارة في الرباط قاموا بزيارة إلى المشروع المينائي الضخم، حيث اطلعوا على البنية البحرية للمنطقة وناقشوا عدداً من الملفات المرتبطة بمستقبلها.
لكن اللافت في الإعلان الأمريكي لم يكن الزيارة في حد ذاتها فقط، بل طبيعة المصطلحات التي استخدمتها واشنطن لوصف أهمية الموقع.
واشنطن تتحدث عن «أولويات أمنية مشتركة»
أكدت السفارة الأمريكية أن اللقاءات التي جرت خلال الزيارة تناولت قضايا البنية التحتية البحرية، والربط الإقليمي، والتنمية الاقتصادية والتجارة، لكنها أضافت عنصرا جديدا يتمثل في مناقشة «الأولويات الأمنية المشتركة».
كما شددت واشنطن على ما وصفته بـ«الأهمية الاستراتيجية» للمنطقة، وهي عبارة تمنح الزيارة بعدا يتجاوز مجرد الاهتمام بمشروع اقتصادي أو ميناء تجاري جديد.
ويأتي ذلك في سياق تعرف فيه العلاقات العسكرية بين المغرب والولايات المتحدة توسعاً متواصلاً خلال السنوات الأخيرة، سواء من خلال صفقات التسلح أو التدريبات العسكرية المشتركة أو مناورات «الأسد الإفريقي».
زيارتان في أقل من ثلاثة أسابيع
وتكتسب الزيارة العسكرية الجديدة أهمية إضافية بالنظر إلى توقيتها، إذ إنها جاءت بعد أكثر من أسبوعين فقط من زيارة وفد أمريكي آخر إلى الموقع نفسه.
ففي منتصف غشت، زار مسؤولون من القسمين السياسي والاقتصادي بالسفارة الأمريكية مشروع ميناء الداخلة الأطلسي، وركزت تلك الزيارة أساساً على فرص التجارة والاستثمار وتعزيز الربط بين المغرب والقارة الإفريقية.
أما الزيارة الأخيرة، فقد حملت بعداً مختلفاً، مع حضور مسؤولين عسكريين وطرح ملفات مرتبطة بالأمن البحري والأولويات الأمنية المشتركة.
وهذا الانتقال من الاهتمام الاقتصادي والدبلوماسي إلى الحضور العسكري يعكس اتساع دائرة الاهتمام الأمريكي بالمشروع وبالموقع الاستراتيجي الذي تحتله الداخلة على الساحل الأطلسي.
ولا يتعلق الأمر بميناء تقليدي فقط، إذ تراهن المملكة على ميناء الداخلة الأطلسي ليصبح أحد أهم البوابات البحرية المغربية نحو غرب إفريقيا ومنطقة الساحل.
ومن المنتظر أن يرافق المشروع إنشاء منظومة صناعية ولوجستية واسعة، بما يعزز مكانة المنطقة في حركة التجارة والاستثمارات بين المغرب والقارة الإفريقية.
لكن الموقع الجغرافي للداخلة يمنح المشروع أيضاً أهمية استراتيجية، خصوصا في ظل الاهتمام المتزايد بأمن السواحل الأطلسية ومراقبة الطرق البحرية ومواجهة شبكات التهريب والجريمة العابرة للحدود.
كما سبق أن ارتبط اسم الداخلة بمشاريع لتعزيز الحضور البحري المغربي، من بينها خطط إنشاء قاعدة بحرية كبيرة في المنطقة، في إطار توجه المملكة نحو تطوير قدراتها العسكرية والبحرية على امتداد سواحلها.
تحركات أمريكية متواصلة في الأقاليم الجنوبية
زيارة الوفد العسكري إلى الداخلة ليست التحرك الأمريكي الوحيد في الأقاليم الجنوبية خلال الأشهر الأخيرة.
ففي يونيو الماضي، قام وفد من البعثة الأمريكية بزيارة إلى معبر الكركرات، وهي خطوة غير مسبوقة بالنسبة لممثلين أمريكيين، حيث ناقش الجانبان حينها ملفات أمن الحدود ومكافحة تهريب المخدرات والاتجار بالبشر وتعزيز التنسيق الأمني.
وتأتي هذه التحركات في سياق استمرار الولايات المتحدة في الاعتراف بسيادة المغرب على الصحراء، وهو الموقف الذي اعتمدته واشنطن منذ ديسمبر 2020.
ومع عودة دونالد ترامب إلى البيت الأبيض، ازدادت الإشارات الأمريكية الداعمة للتنمية والاستثمار في الأقاليم الجنوبية، بالتوازي مع تعزيز الشراكة الأمنية والعسكرية بين الرباط وواشنطن.
بالنسبة لمراقبين، فإن توالي الزيارات الأمريكية إلى الداخلة في فترة زمنية قصيرة يعكس اهتماماً متنامياً بالمنطقة، خصوصاً أن المشروع الجديد يجمع بين البعد الاقتصادي واللوجستي والموقع البحري الاستراتيجي.
فبعد زيارة الدبلوماسيين والمسؤولين الاقتصاديين، جاء الدور على المسؤولين العسكريين لمعاينة المشروع ومناقشة قضايا مرتبطة بالأمن البحري.
وبذلك، يبدو أن ميناء الداخلة الأطلسي لم يعد يُنظر إليه فقط كمشروع اقتصادي ضخم، بل كمنشأة تقع في قلب تحولات استراتيجية أوسع، تجمع بين التجارة والربط الإفريقي والأمن البحري والمصالح المشتركة بين المغرب وحلفائه.
ويبقى السؤال المطروح: هل يمثل هذا الاهتمام العسكري الأمريكي مجرد امتداد للشراكة الأمنية التقليدية بين الرباط وواشنطن، أم أنه مؤشر على دور استراتيجي أكبر قد تلعبه الداخلة مستقبلا في المعادلة الأطلسية؟


