تشهد خريطة الهجرة غير النظامية باتجاه إسبانيا تحولا لافتا، مع بروز الساحل الجزائري كمنطلق رئيسي لعدد متزايد من الرحلات البحرية نحو جزر البليار وأجزاء واسعة من الساحل الإسباني على البحر المتوسط.
وبحسب تقرير نشرته صحيفة «لابانديرا» الإسبانية، فإن هذا التحول لا يعني تراجع أهمية المغرب في جميع مسارات الهجرة، إذ يظل للمملكة وزن خاص في محاور سبتة ومليلية ومضيق جبل طارق وبعض المسارات الأطلسية، بينما أصبحت الجزائر أكثر حضورا في المسار المتوسطي.
الجزائريون يتصدرون المسار الغربي
وتشير المعطيات التي أوردتها «لابانديرا» إلى أن الجزائريين شكلوا 54.1 في المائة من أبرز الجنسيات المسجلة على طريق غرب المتوسط خلال 2025، مقابل 18.5 في المائة للمغاربة و8.3 في المائة للصوماليين.
وتوضح الصحيفة أن جنسية المهاجر لا تعني بالضرورة أن القارب انطلق من البلد الذي ينتمي إليه، غير أن البيانات الخاصة بجزر البليار وتحقيقات تفكيك شبكات تهريب البشر تؤكد الحضور الكبير للساحل الجزائري في هذا المسار.
ويتركز هذا الطريق خصوصا باتجاه جزر البليار وألميريا ومورسيا وأليكانتي ومناطق أخرى من الساحل الشرقي لإسبانيا.
أكثر من 7 آلاف مهاجر وصلوا إلى البليار
وتبرز جزر البليار حجم هذا التحول بشكل واضح. فوفقا للمعطيات التي نقلتها «لابانديرا» عن وزارة الداخلية الإسبانية، وصل إلى الأرخبيل خلال 2025 7321 مهاجرا غير نظامي على متن 401 قاربا قادما من الجزائر.
وتوزع الوافدون على 4029 في مايوركا، و2683 في فورمينتيرا، و482 في إيبيزا، و11 في مينوركا، في رقم شكل زيادة بنسبة 24.5 في المائة مقارنة بالسنة السابقة.
واستمرت الضغوط خلال 2026، إذ سجلت جزر البليار إلى منتصف غشت 4433 وصولا، مقابل 4323 خلال الفترة نفسها من 2025.
تراجع الكناري وصعود المتوسط
في المقابل، تكشف الأرقام عن تغير واضح في وجهة الضغط البحري. فإلى غاية 15 غشت 2026، سجلت إسبانيا 19972 عملية دخول غير نظامية، مقابل 22040 خلال الفترة نفسها من 2025، أي انخفاضا وطنيا بنسبة 9.4 في المائة.
لكن هذا التراجع يخفي فروقا كبيرة بين المناطق. فقد انخفضت الوافدات إلى جزر الكناري بنسبة 59.5 في المائة، من 11883 إلى 4808 أشخاص.
وفي المقابل، ارتفع عدد الواصلين بحرا إلى شبه الجزيرة الإسبانية من 3928 إلى 5152 شخصا، بزيادة تتجاوز 31 في المائة.
وبذلك، ترى «لابانديرا» أن الضغط لا يختفي بقدر ما يعيد توزيع نفسه بين المسارات البحرية.
شبكات تهريب بملايين اليوروهات
ولا يقتصر الأمر على تحركات فردية، إذ كشفت عملية أمنية إسبانية في بداية غشت عن واحدة من أكبر الشبكات المتخصصة في تهريب المهاجرين بحرا في المتوسط.
وبحسب التقرير، نسبت التحقيقات إلى الشبكة 64 عملية وتهريب أكثر من 2000 مهاجر إلى إسبانيا، فيما قدرت أرباحها بأكثر من 24 مليون يورو.
وتستخدم هذه الشبكات، وفق المعطيات نفسها، قوارب سريعة تربط بين إسبانيا والساحل الجزائري، حيث تنقل المخدرات في اتجاه الجزائر، ثم تعود بالمهاجرين نحو الأراضي الإسبانية.
وشملت عمليات الإنزال مناطق في ألميريا وقرطاجنة ومورسيا وأليكانتي وإيبيزا.
ووصلت تكلفة الرحلة في بعض الحالات إلى 12 ألف يورو للمهاجر الواحد، بينما كانت بعض القوارب قادرة على نقل نحو 50 شخصا في الرحلة الواحدة.
وأسفرت العملية الأمنية عن 78 توقيفا، ما يعكس حجم النشاط الاقتصادي الذي أصبح مرتبطا بهذه الشبكات.
الجزائر تقول إنها منعت 30 ألف محاولة مغادرة
وفي أكتوبر 2025، عززت إسبانيا والجزائر التعاون لمواجهة الهجرة غير النظامية وشبكات الاتجار بالبشر.
وخلال المحادثات بين وزير الداخلية الإسباني فرناندو غراندي مارلاسكا والمسؤولين الجزائريين، أشادت مدريد بإجراءات جزائرية قالت إنها ساهمت في منع نحو 30 ألف محاولة مغادرة غير نظامية من الأراضي الجزائرية.
كما تشير معطيات مفوضية الأمم المتحدة لشؤون اللاجئين التي أوردها التقرير إلى أن 52.5 في المائة من الأشخاص الذين وصلوا بشكل غير نظامي إلى إسبانيا بين يناير وغشت كانوا من الجزائر.
هل تجاوزت الجزائر المغرب فعلا؟
تؤكد «لابانديرا» ضرورة التعامل بحذر مع هذه الخلاصة، إذ لا توفر الإحصاءات الرسمية الإسبانية تفصيلا شاملا يسمح بالقول إن عدد القوارب المنطلقة من الجزائر أصبح أكبر من القوارب المنطلقة من المغرب في جميع المسارات.
لكن الأرقام المتاحة تدعم نتيجة أكثر تحديدا: الجزائر أصبحت صاحبة وزن أكبر من المغرب في مسارات الهجرة البحرية عبر غرب المتوسط باتجاه جزر البليار وأجزاء واسعة من الساحل الإسباني.
ويعزز ذلك عدد القوارب الجزائرية التي وصلت إلى البليار، وتصدر الجزائريين قائمة الجنسيات على هذا المسار، إلى جانب تفكيك شبكات متخصصة في الربط البحري بين الساحل الجزائري والأراضي الإسبانية.
وبحسب «لابانديرا»، فإن التحول الأبرز يتمثل في انتقال جزء من ثقل الهجرة غير النظامية من المسار الأطلسي نحو المتوسط، في وقت تراجعت فيه أعداد الوافدين إلى الكناري بشكل كبير، بينما ارتفعت الضغوط على البليار والساحل الشرقي لشبه الجزيرة الإيبيرية.


