من الماء إلى الطاقة.. 6 شركات إسبانية تتمدد داخل المشاريع الاستراتيجية الكبرى في المغرب

لم تعد الشراكة الاقتصادية بين المغرب وإسبانيا تقتصر على المبادلات التجارية أو الاستثمارات التقليدية، بل بدأت تأخذ شكلا أكثر ارتباطا بالقطاعات الاستراتيجية، خصوصا المياه والطاقة والبنية التحتية الصناعية. وفي السنوات الأخيرة، برز حضور عدد من المجموعات الإسبانية في مشاريع مغربية ضخمة تتصل مباشرة بأمن المياه وإنتاج الكهرباء والطاقة المتجددة ومعالجة مياه الصرف الصحي، إلى جانب خدمات التفتيش والهندسة والتحكم الصناعي.

وتبرز ست مجموعات إسبانية بشكل خاص داخل هذا المشهد، هي أكسيونا، كوكس، TSK، لانتانيا، OCA Global وكوبرا، حيث تشارك، بدرجات مختلفة، في تنفيذ أو تشغيل أو مواكبة عدد من المنشآت التي تراهن عليها المملكة لتطوير بنيتها التحتية والاستجابة لحاجياتها المتزايدة من المياه والطاقة.

ويكشف هذا الحضور عن تحول مهم في طبيعة التعاون الاقتصادي بين البلدين، إذ أصبح المغرب سوقا رئيسية لشركات هندسية إسبانية تبحث عن فرص جديدة خارج السوق المحلية، بينما يستفيد المغرب من الخبرات والتقنيات المتخصصة في مشاريع ذات طابع طويل الأمد.

- Ad -

أكسيونا.. حضور واسع من المياه إلى الطاقات المتجددة

تبدو مجموعة أكسيونا الأكثر حضورا بين الشركات الإسبانية المذكورة، بعدما راكمت، وفق المعطيات المتداولة، خبرة واسعة داخل السوق المغربية من خلال عشرات المشاريع المرتبطة بالبنية التحتية والمياه والطاقة المتجددة.

وتشارك المجموعة حالياً في مشروع محطة تحلية مياه البحر الكبرى في الدار البيضاء، وهو أحد المشاريع التي تحظى بأهمية كبيرة في ظل الضغوط التي يعرفها قطاع المياه بالمغرب.

وتكتسب محطة الدار البيضاء أهمية خاصة بسبب ارتباطها بتأمين إمدادات المياه لمنطقة الدار البيضاء-سطات، وهي واحدة من أكثر المناطق كثافة من حيث السكان والأنشطة الاقتصادية والصناعية.

لكن طموح أكسيونا في المغرب لا يتوقف عند قطاع تحلية المياه. فقد أصبحت شركة Acciona Energía من بين الجهات المؤهلة مبدئياً للمشاركة في تطوير وتشغيل قدرة تصل إلى 800 ميغاواط من الطاقات المتجددة، ضمن برنامج مغربي إجمالي تبلغ قدرته 1600 ميغاواط.

وهذا التأهيل لا يعني، في حد ذاته، حصول الشركة على المشروع بشكل نهائي، لكنه يعكس رغبتها في توسيع نطاق نشاطها داخل المغرب، والانتقال من مشاريع المياه إلى مجال إنتاج الطاقة المتجددة على نطاق واسع.

إلى جانب أكسيونا، تفرض مجموعة Cox حضورها في قطاعين يعتبران من أكثر القطاعات حساسية بالنسبة للمغرب: الماء والكهرباء.

وتتولى المجموعة تشغيل محطة تحلية مياه البحر في أكادير، التي يرتقب أن تعرف توسعة كبيرة لرفع قدرتها الإنتاجية إلى نحو 400 ألف متر مكعب يوميا.

وكانت المجموعة قد حصلت في يوليوز 2025 على امتياز جديد يتيح إضافة نحو 125 ألف متر مكعب يوميا إلى الطاقة الإنتاجية للمحطة، ما يعكس حجم الرهان على تحلية مياه البحر كأحد الحلول الرئيسية لمواجهة ندرة المياه.

ولا يقتصر نشاط كوكس على الماء. فالمجموعة تدير أيضا محطة عين بني مطهر الهجينة بالقرب من جرادة، وهي منشأة تجمع بين إنتاج الطاقة باستخدام الغاز والطاقة الشمسية.

وتصل القدرة الإجمالية للمحطة إلى حوالي 472 ميغاواط، ما يجعلها منشأة مهمة ضمن منظومة إنتاج الكهرباء في المغرب.

وبذلك يجمع حضور المجموعة الإسبانية بين قطاعين متداخلين في الاستراتيجية المغربية الجديدة: توفير موارد مائية إضافية من جهة، وتعزيز قدرات إنتاج الطاقة من جهة أخرى.

الطاقة الشمسية.. شركة TSK حاضرة في مشروع نور ميدلت

في مجال الطاقة الشمسية، يبرز اسم شركة TSK من خلال مشاركتها في المرحلة الأولى من مشروع نور ميدلت، أحد المشاريع الكبرى المرتبطة بتطوير الطاقات المتجددة في المغرب.

وقد صُممت هذه المرحلة بالاعتماد على مزيج من تكنولوجيا الخلايا الكهروضوئية والطاقة الشمسية المركزة، مع استهداف قدرة إجمالية تصل إلى نحو 800 ميغاواط.

أما المراحل اللاحقة من المشروع، أي نور ميدلت 2 ونور ميدلت 3، فقد أُسندت سنة 2025 إلى شركة أكوا باور، ومن المنتظر أن تضيف هذه المشاريع قدرات جديدة في مجال الطاقة الشمسية، إلى جانب منظومة لتخزين الكهرباء بواسطة البطاريات.

ويعكس تطور مشروع نور ميدلت اتجاهاً أوسع لدى المغرب نحو الجمع بين إنتاج الطاقة المتجددة وتخزينها، بهدف تعزيز استقرار الشبكة الكهربائية وتقليص الاعتماد على مصادر الطاقة التقليدية.

أما شركة Lantania، فقد اختارت مجالاً آخر من البنية التحتية المائية، من خلال مشاركتها في مشروع محطة معالجة مياه الصرف الصحي بمدينة سلا.

وتبلغ الطاقة الاستيعابية للمحطة حوالي 10 آلاف متر مكعب من مياه الصرف الصحي يوميا، ما يجعلها جزءا من الجهود الرامية إلى تطوير منظومة معالجة المياه المستعملة وتحسين تدبير الموارد المائية.

ويأتي ذلك في وقت أصبح فيه قطاع المياه في المغرب لا يرتبط فقط بتوفير مياه الشرب أو تحلية مياه البحر، بل يشمل أيضاً إعادة استعمال المياه ومعالجة مياه الصرف الصحي وتطوير البنية التحتية المرتبطة بها.

وتجدر الإشارة إلى أن مجموعة NMDC الإماراتية تمتلك حاليا 51% من قسم المياه التابع للشركة، مع استمرار الاستفادة من الخبرات التي راكمتها المجموعة الإسبانية في مجالات التحلية ونقل المياه ومعالجتها.

وبينما تظهر أسماء أكسيونا وكوكس بشكل واضح بسبب ارتباطهما بمشاريع ضخمة ومرئية، تعمل شركات إسبانية أخرى في المغرب في مجالات تقنية أكثر تخصصاً وأقل ظهوراً لدى الجمهور.

ومن بين هذه الشركات OCA Global، التي تركز أنشطتها على التفتيش والاختبارات الصناعية وإصدار الشهادات وتقديم المساعدة الفنية.

وتتصل خدمات المجموعة بشكل خاص بقطاعات الطاقة والنفط والغاز، وهي مجالات تحتاج إلى خبرات تقنية دقيقة ومراقبة مستمرة للمنشآت والمعدات والمعايير الصناعية.

أما Cobra، وهي شركة إسبانية أصبحت تابعة لمجموعة VINCI الفرنسية، فتتوفر بدورها على خبرة واسعة في تنفيذ المشاريع المتكاملة المرتبطة بإنتاج الطاقة والشبكات والبنية التحتية الهيدروليكية.

وهذا النوع من الشركات لا يظهر دائما في واجهة المشاريع الكبرى، لكنه يلعب دورا مهما في مراحل التصميم والتنفيذ والمراقبة والربط والتشغيل.

ويأتي توسع هذه الشركات في المغرب في مرحلة تعرف فيها المملكة تحولاً عميقاً في سياستها المائية.

فالمغرب يستهدف رفع إنتاج المياه المحلاة إلى حوالي 1.7 مليار متر مكعب سنوياً بحلول عام 2030، في إطار البحث عن مصادر إضافية للمياه لمواجهة الضغط المتزايد على الموارد التقليدية.

ولا يرتبط هذا الهدف بمياه الشرب وحدها، بل يشمل كذلك حاجيات المدن والقطاع الزراعي والأنشطة الصناعية.

وتحظى تحلية مياه البحر بمكانة متزايدة في هذه الاستراتيجية، خصوصاً مع استمرار فترات الجفاف وتراجع الموارد المائية التقليدية، وهو ما يفسر تسارع إطلاق مشاريع محطات جديدة وتوسعة منشآت قائمة.

ومن الطبيعي أن يؤدي هذا التحول إلى خلق فرص واسعة أمام الشركات المتخصصة في الهندسة والبناء والتشغيل ومعالجة المياه، وهو ما يفسر جزءاً من الحضور الإسباني المتنامي.

ولا ينبغي النظر إلى وجود هذه المجموعات باعتباره مجرد سلسلة من الصفقات المنفصلة، فالمشاريع التي تشارك فيها ترتبط بقطاعات تعتبرها المملكة ذات أولوية استراتيجية.

فالماء والطاقة يمثلان عنصرين أساسيين بالنسبة لأي اقتصاد يريد الحفاظ على وتيرة نمو مرتفعة، خصوصا في ظل التوسع الحضري والصناعي وتزايد الطلب على الكهرباء والمياه.

ومن هنا، فإن الشركات التي تستطيع توفير الخبرة في تصميم المنشآت وبنائها وتشغيلها وصيانتها تجد أمامها سوقاً مغربية واسعة تمتد لسنوات.

كما أن القرب الجغرافي بين المغرب وإسبانيا يلعب دورا مهما في تسهيل انتقال الشركات والخبرات والمعدات، فضلا عن العلاقات الاقتصادية المتنامية بين البلدين.

ست شركات.. أدوار مختلفة داخل منظومة واحدة

ورغم أن الشركات الست تظهر ضمن المشهد نفسه، فإن طبيعة أدوارها تختلف بشكل واضح.

فأكسيونا وكوكس ترتبطان بشكل مباشر بمشاريع كبرى في مجال المياه والطاقة، بينما يظهر اسم TSK في مجال الطاقة الشمسية، وتشارك لانتانيا في معالجة مياه الصرف الصحي.

في المقابل، تقدم OCA Global خدمات تقنية تتعلق بالتفتيش والاختبارات والشهادات، بينما تمتلك Cobra خبرة في المشاريع المتكاملة للطاقة والشبكات والمنشآت الهيدروليكية.

وبالتالي، فإن الحضور الإسباني لا يقوم على نموذج واحد، بل يغطي سلسلة واسعة من الاحتياجات، تبدأ من بناء المنشأة وتمتد إلى تشغيلها وصيانتها ومراقبة جودتها وتقديم الخدمات التقنية المرتبطة بها.

مرحلة جديدة في العلاقات الاقتصادية بين الرباط ومدريد

ويشير هذا الحضور المتزايد إلى أن العلاقات الاقتصادية المغربية الإسبانية تتجه تدريجيا نحو قطاعات أكثر استراتيجية، بعد أن كانت التجارة والصناعة والسياحة من أبرز مجالات التعاون التقليدية.

فمع ارتفاع الاستثمارات في مشاريع تحلية المياه والطاقة الشمسية ومعالجة مياه الصرف الصحي وتطوير شبكات الطاقة، أصبحت الشركات الهندسية والتكنولوجية أمام فرص كبيرة لتوسيع أعمالها داخل المملكة.

وفي المقابل، يسعى المغرب إلى الاستفادة من هذه الخبرات والتقنيات لتسريع تنفيذ مشاريعه الكبرى، خصوصاً تلك المرتبطة بالأمن المائي والتحول الطاقي.

وهكذا، تكشف خريطة المشاريع الحالية أن الشركات الإسبانية لم تعد حاضرة فقط في قطاعات مرتبطة بالسوق الاستهلاكية، بل أصبحت تشارك في منشآت تمس مباشرة مستقبل الماء والطاقة والبنية التحتية في المغرب، ما يجعل حضورها داخل هذه القطاعات مرشحاً لمزيد من التطور خلال السنوات المقبلة.

الأكثر مشاهدة