أعادت أزمة الهجرة الأخيرة في سبتة ملف الحدود الأوروبية إلى واجهة النقاش السياسي في إسبانيا، وسط مطالبات بتشديد الإجراءات لمنع وصول المهاجرين بشكل غير نظامي. غير أن قراءة مختلفة للمشهد تطرح سؤالا أكثر تعقيدا: ماذا لو كان جزء من الضغط المستمر على الحدود مرتبطا، في الأساس، بحاجة الاقتصاد الأوروبي إلى مزيد من اليد العاملة؟
هذا التناقض هو محور تحليل نشرته صحيفة «إل باييس»، يستند إلى آراء عالم الاجتماع والباحث في قضايا الهجرة هاين دي هاس، أستاذ علم الاجتماع بجامعة أمستردام، الذي يرى أن نقص العمالة في عدد من القطاعات الأوروبية يشكل أحد العوامل التي تجعل القارة وجهة جذابة للمهاجرين.
وبالنسبة إلى الباحث، فإن الأحداث التي شهدتها سبتة لا يمكن فصلها عن أزمة أوسع في منظومة الهجرة الأوروبية، إذ إن سياسات تشديد الرقابة التي اعتمدتها دول الاتحاد الأوروبي منذ تسعينيات القرن الماضي لم تتمكن، بحسب تحليله، من إنهاء الهجرة غير النظامية، وإنما ساهمت في تغيير طرقها ومساراتها.
الحدود الأكثر تشدداً لم تنه الظاهرة
على مدى عقود، ركزت السياسات الأوروبية على تعزيز المراقبة الحدودية، ورفع مستوى الحواجز الأمنية، وتشديد شروط الدخول والإقامة، بهدف الحد من تدفقات الهجرة غير النظامية.
لكن استمرار محاولات الوصول إلى الأراضي الأوروبية، رغم هذه الإجراءات، يدفع الباحث إلى التشكيك في فعالية الاعتماد على الرقابة وحدها.
فكلما أصبحت الطرق النظامية محدودة، يجد بعض المهاجرين أنفسهم أمام خيارات أكثر خطورة، وهو ما يمكن أن يؤدي إلى انتقال الهجرة من المسارات القانونية والمنظمة إلى طرق غير نظامية أكثر صعوبة وكلفة ومخاطرة.
ومن هذا المنظور، لا يرى دي هاس أن تشديد الحدود يعالج الأسباب الأساسية للظاهرة، بل يعتبر أنه يتعامل بصورة أكبر مع نتائجها.
الاقتصاد الأوروبي يواجه معضلة العمالة
في قلب هذه المفارقة توجد حاجة اقتصادية واضحة. فبعض القطاعات الأوروبية تواجه نقصا في اليد العاملة، بينما لا تزال سياسات الهجرة القانونية عاجزة، وفق التحليل، عن توفير العدد الكافي من العمال الذين تحتاج إليهم تلك القطاعات.
وتظهر هذه الحاجة في مجالات مختلفة، من بينها الزراعة والرعاية والخدمات وبعض المهن التي تتطلب جهدا بدنيا أو ساعات عمل وظروفا لا تحظى دائما بإقبال كبير من العمال المحليين.
وفي الوقت نفسه، تستمر الحكومات في تبني سياسات تهدف إلى تقليص الهجرة غير النظامية.
ويرى الباحث أن هذا الوضع ينتج تناقضا واضحا: فالسوق يحتاج إلى العمال، لكن القنوات القانونية التي يمكن أن تسمح لهؤلاء العمال بالوصول إلى أوروبا تبقى محدودة مقارنة بحجم الطلب.
المغرب في قلب هذه المعادلة
وتكتسب هذه القضية أهمية خاصة بالنسبة إلى المغرب بسبب موقعه الجغرافي وعلاقاته التاريخية والاقتصادية مع إسبانيا وأوروبا.
فالقرب الجغرافي من الأراضي الإسبانية، إلى جانب وجود روابط اجتماعية وإنسانية قوية بين البلدين، يجعل المغرب أحد البلدان التي ترتبط بشكل مباشر بملف الهجرة نحو أوروبا.
كما أن الاقتصاد الإسباني يحتاج بصورة مستمرة إلى عمال في قطاعات مختلفة، وهو ما يجعل اليد العاملة المغربية حاضرة بقوة في النقاش المتعلق بالهجرة القانونية والعمل الموسمي والتوظيف عبر الحدود.
وبالتالي، فإن أي تغيير في سياسة الهجرة الإسبانية أو الأوروبية ستكون له انعكاسات مباشرة على المغرب، سواء فيما يتعلق بالعمال الموجودين بالفعل في أوروبا أو بالأشخاص الذين يبحثون عن فرص عمل قانونية في المستقبل.
مفارقة أخرى: العامل غير النظامي مطلوب أيضا
ويطرح التحليل نقطة أكثر حساسية تتعلق بسوق العمل نفسه.
فبحسب دي هاس، توجد فجوة بين الخطاب السياسي الذي يدعو إلى الحد من الهجرة وبين واقع بعض القطاعات الاقتصادية التي تعتمد على عمال مهاجرين، بمن فيهم أشخاص لا يتوفرون على وضع قانوني مستقر.
ويعود جزء من ذلك إلى أن بعض الوظائف الصعبة أو منخفضة الأجر قد تكون أقل جذبا للعمال المحليين، بينما يقبل بها مهاجرون يبحثون عن فرصة للعمل وتحسين ظروفهم المعيشية.
وهنا تظهر المفارقة مرة أخرى: الحاجة إلى العمالة تستمر، حتى عندما تحاول السياسات العامة تقليص عدد المهاجرين الذين يصلون إلى أوروبا.
ومن الأفكار التي يطرحها الباحث أيضاً التشكيك في الاعتقاد بأن تحسن الوضع الاقتصادي في بلدان مثل المغرب سيؤدي بشكل مباشر إلى انخفاض الهجرة.
فارتفاع مستويات التعليم والدخل وتحسن القدرة على الوصول إلى المعلومات ووسائل السفر قد يؤدي، في مراحل معينة من التنمية، إلى زيادة قدرة الأشخاص على الهجرة بدلاً من القضاء عليها.
وبمعنى آخر، فإن الشخص الذي يعيش في ظروف اقتصادية أفضل قد يصبح أكثر قدرة على تحمل تكاليف الهجرة، وأكثر طموحاً للبحث عن فرص جديدة خارج بلده.
ويرى هذا الطرح أن انخفاض الهجرة بشكل مستدام لا يحدث بالضرورة في المراحل الأولى من التنمية، وإنما قد يبدأ عندما تصل الدول إلى مستويات أعلى بكثير من الرفاه والاستقرار الاقتصادي والاجتماعي.
ولا تتوقف آثار تشديد الرقابة، وفق التحليل، عند منع الدخول إلى أوروبا، إذ يمكن أن يكون لها تأثير على قرارات الأشخاص الذين سبق لهم الهجرة.
فعندما تصبح العودة إلى أوروبا بعد مغادرتها أمرا شديد الصعوبة، قد يتجنب بعض المهاجرين العودة إلى بلدانهم الأصلية خوفا من عدم قدرتهم على الدخول مجددا.
وهكذا، فإن إقامة كانت في الأصل مؤقتة أو مرتبطة بموسم عمل قد تتحول إلى إقامة طويلة الأمد، لأن المهاجر يخشى خسارة إمكانية الوصول إلى أوروبا مرة أخرى.
وبهذه الطريقة، يمكن أن تؤدي القيود الصارمة، بشكل غير مقصود، إلى تشجيع بعض الأشخاص على البقاء لفترات أطول بدلاً من التنقل بين بلد الأصل وبلد العمل.
في مواجهة هذه المعادلة المعقدة، يطرح التحليل مسارا مختلفا يقوم على توسيع قنوات الهجرة القانونية والمنظمة بدلاً من الاعتماد على تشديد الحدود وحده.
وتشمل الفكرة توفير فرص حقيقية للعمال الراغبين في القدوم إلى أوروبا للعمل، بالتوازي مع فرض رقابة أكثر صرامة على ظروف العمل وأجور العمال واحترام حقوقهم.
فوجود مسارات قانونية واضحة يمكن أن يسمح للاقتصادات الأوروبية بالحصول على العمالة التي تحتاج إليها، وفي الوقت نفسه يقلل من اعتماد المهاجرين على طرق غير نظامية محفوفة بالمخاطر.
كما أن تحسين ظروف العمل والرقابة على أرباب العمل يمكن أن يمنع استغلال وضع المهاجرين، خصوصا في القطاعات التي تعرف نقصاً في اليد العاملة.
وبهذا المنظور، تتحول أزمة سبتة من مجرد قضية أمنية مرتبطة بحماية الحدود إلى جزء من نقاش أوسع حول مستقبل الهجرة وسوق العمل الأوروبي.
فإغلاق الحدود وتشديد المراقبة قد يحدان من بعض طرق الوصول، لكنهما لا يغيران بالضرورة حقيقة وجود طلب اقتصادي على العمالة الأجنبية، ولا يلغي الرغبة لدى أشخاص في بلدان مجاورة لأوروبا في البحث عن فرص أفضل.
ومن هنا تبرز الحاجة إلى معالجة جانبي المعادلة في الوقت نفسه: حماية الحدود ومكافحة شبكات الهجرة غير النظامية من جهة، وفتح قنوات قانونية ومنظمة للعمل والهجرة من جهة أخرى.
وبالنسبة إلى المغرب، الذي يوجد في موقع جغرافي حساس بين أفريقيا وأوروبا، ستظل هذه المعادلة ذات أهمية خاصة، خصوصاً مع استمرار الروابط الاقتصادية والبشرية مع إسبانيا.
وفي النهاية، فإن الجدل الذي أعقب أزمة سبتة يعيد طرح سؤال جوهري أمام أوروبا: هل يمكن إنهاء الهجرة غير النظامية من خلال إغلاق الحدود فقط، بينما تظل أسواق العمل الأوروبية بحاجة إلى العمال الأجانب؟


