يدخل مشروع الناظور غرب المتوسط مرحلة حاسمة، مع اقتراب موعد بدء تشغيل أولى منشآته خلال الربع الأخير من سنة 2026، بعدما انتقلت الاستعدادات تدريجيا من بناء المنشآت والمرافق إلى إعداد الموارد البشرية والهياكل التنظيمية الضرورية لضمان انطلاقة فعلية للمجمع المينائي والاقتصادي.
وفي مؤشر جديد على هذا التحول، أطلق البنك الأوروبي لإعادة الإعمار والتنمية مناقصة دولية لاختيار جهة متخصصة في تنفيذ برنامج لتطوير مهارات فرق العمل المرتبطة بالمجمع المينائي والمناطق الصناعية واللوجستية المحيطة به في منطقة بيتويا. ويُنظر إلى هذه الخطوة باعتبارها دليلا إضافيا على أن المشروع لم يعد في مرحلة الأشغال الإنشائية فقط، بل بدأ يستعد عملياً لمرحلة التشغيل.
من بناء الميناء إلى إعداد الكفاءات
المناقصة التي أعلن عنها في 10 سبتمبر تحمل اسم «برنامج بناء القدرات TC2 لمنطقة الناظور غرب المتوسط»، وتمنح الشركات الراغبة في المشاركة مهلة إلى غاية 16 أكتوبر 2026 لتقديم عروضها.
ولا يتعلق الأمر بإضافة أرصفة أو تشييد منشآت مينائية جديدة، وإنما ببرنامج يستهدف تكوين وتأهيل الكفاءات البشرية التي ستحتاج إليها المنظومة الاقتصادية الجديدة عند دخولها مرحلة النشاط.
وتكتسي هذه الخطوة أهمية خاصة لأن تشغيل ميناء بهذا الحجم لا يعتمد على البنية التحتية وحدها، مهما بلغت جاهزيتها، وإنما يحتاج أيضاً إلى موارد بشرية مؤهلة، وأنظمة تنظيمية واضحة، وكفاءات قادرة على إدارة العمليات الصناعية واللوجستية والمينائية وفق المعايير المطلوبة.
وبذلك، يبدو أن المشروع يقترب من الانتقال من مرحلة الخرسانة والآليات إلى مرحلة أخرى أكثر ارتباطا بالتشغيل الفعلي والاستثمار.
ويأتي برنامج تطوير المهارات ضمن حزمة أوسع من الدعم الذي حصلت عليه منطقة بيتويا الصناعية واللوجستية من البنك الأوروبي لإعادة الإعمار والتنمية.
ففي مارس 2025، وافق البنك على تمويل بقيمة 110 ملايين يورو لفائدة المنطقة، إلى جانب منح وبرامج دعم دولية، بهدف المساهمة في تطوير البنية الاقتصادية المحيطة بالميناء.
وتشمل هذه الاستثمارات إنشاء وتجهيز منصات مخصصة للأنشطة الصناعية واللوجستية، إلى جانب مشاريع مرتبطة بالماء والطاقة والخدمات الأساسية.
كما تتضمن الخطة إنشاء محطة لتحلية المياه ومحطتين لمعالجة مياه الصرف الصحي، فضلا عن تطوير شبكة الإنارة العمومية ذات الكفاءة الطاقية.
ولم يتوقف الدعم عند المنشآت المادية، إذ شملت الخطة أيضاً جوانب مرتبطة بالتحول الرقمي، من بينها توفير أدوات إلكترونية لتسهيل تعامل المستثمرين مع المنطقة، إضافة إلى برامج لتطوير الكفاءات والمهارات.
ويأتي العقد الجديد ليترجم عملياً الجزء المتعلق بالموارد البشرية من هذه الخطة، من خلال الاستعانة بمزود خدمات متخصص في التدريب وبناء القدرات، بدلاً من أن يكون الهدف المباشر هو توظيف العاملين الذين سيشتغلون مستقبلاً في الميناء.
ولم تكشف تفاصيل المناقصة حتى الآن عن العدد النهائي للأشخاص الذين سيستفيدون من البرنامج، كما لم يتم تحديد جميع الوظائف والمهن التي ستدخل ضمن نطاق التدريب.
غير أن اختيار هذا التوقيت يكشف أن الاستعدادات التشغيلية أصبحت جزءا أساسيا من أجندة المشروع، خصوصا مع اقتراب الموعد المرتقب لبدء النشاط التجاري.
ومن المنتظر أن يبدأ تشغيل أول محطة للحاويات في الناظور غرب المتوسط قبل نهاية العام، في خطوة ستشكل نقطة تحول في مسار المشروع الذي يُعد من أكبر الاستثمارات المينائية والاقتصادية التي يشهدها شمال المغرب.
وعند اكتماله، لن يكون المجمع مجرد ميناء للحاويات، بل منظومة اقتصادية متكاملة تجمع بين النقل البحري والأنشطة الصناعية والخدمات اللوجستية والطاقة، بما يسمح له بلعب دور محوري في حركة التجارة والاستثمار بالمنطقة.
وتراهن السلطات المغربية على أن يتحول المشروع إلى محرك اقتصادي كبير بالنسبة لإقليم الناظور ومحيطه، مع توقعات بخلق عشرات الآلاف من فرص العمل بشكل مباشر وغير مباشر خلال السنوات المقبلة، خصوصا مع تطور المنطقة الصناعية واللوجستية المرتبطة بالميناء.
ولا ينفصل التركيز على التدريب والتأهيل المهني عن التوجيهات التي أعطيت في وقت سابق لتوفير الظروف التي تسمح لشباب المنطقة بالاستفادة من الفرص التي سيخلقها المشروع.
وكان اجتماع ترأسه الملك محمد السادس في يناير قد شدد على ضرورة تسريع برامج التكوين والتأهيل، حتى لا يقتصر أثر المشروع على البنية التحتية والاستثمارات الكبرى، وإنما يمتد إلى سكان المنطقة من خلال فرص العمل والكفاءات الجديدة.
وتبلغ الاستثمارات المرتبطة بمشروع الناظور غرب المتوسط حوالي 51 مليار درهم، ما يعكس حجم الرهان الاقتصادي الموضوع عليه، سواء بالنسبة للمنطقة أو بالنسبة للاستراتيجية المغربية الرامية إلى تعزيز موقع البلاد في التجارة البحرية والصناعات المرتبطة بالموانئ.
الطريق السريع.. تحدٍ سيستمر بعد افتتاح الميناء
ورغم التقدم الذي يعرفه المشروع، فإن إحدى النقاط التي ستظل مطروحة خلال السنوات المقبلة تتمثل في البنية التحتية البرية التي ستربط المجمع بمختلف المناطق المغربية.
فالطريق السيار الذي يبلغ طوله نحو 104 كيلومترات ويربط الناظور غرب المتوسط بمدينة جرسيف لن يكون جاهزا بالكامل بالتزامن مع بدء تشغيل الميناء، إذ من المتوقع أن تستمر بعض الأشغال إلى غاية سنة 2029.
وقد أُسندت إحدى مراحل إنجاز هذا المشروع إلى المجموعة الصينية CRBC، ضمن صفقة تتجاوز قيمتها 1.82 مليار درهم.
وهذا يعني أن الميناء قد يبدأ استقبال أنشطته الأولى قبل اكتمال جميع عناصر الربط الطرقي التي ستعزز قدرته على الوصول إلى العمق الوطني.
المغرب يراهن على الميناء كمنصة اقتصادية جديدة
ومع ذلك، فإن استمرار الأشغال المرتبطة بالطرق لا يبدو أنه يوقف التحضيرات الخاصة بالتشغيل. فالمناقصة الجديدة تؤكد أن السلطات والجهات الشريكة بدأت بالفعل في تجهيز الجانب البشري والتنظيمي للمشروع.
وهذه المرحلة لا تقل أهمية عن بناء الأرصفة والمنشآت، لأن نجاح أي ميناء ضخم في جذب المستثمرين والخطوط الملاحية والأنشطة الصناعية يرتبط بقدرته على توفير خدمات فعالة وكفاءات مؤهلة منذ اليوم الأول.
ومع اقتراب نهاية سنة 2026، تبدو الصورة أكثر وضوحا: الناظور غرب المتوسط ينتقل تدريجيا من مشروع ضخم على الورق وفي مواقع الأشغال إلى منظومة تستعد لاستقبال أولى عملياتها التجارية.
وإذا سارت الاستعدادات وفق الجدول المعلن، فإن نهاية العام الجاري قد تشكل بداية مرحلة جديدة بالنسبة للميناء والمنطقة المحيطة به، على أن تستمر خلال السنوات التالية عمليات استكمال الطرق والبنية الاقتصادية والصناعية التي يفترض أن تجعل من المجمع أحد أهم مراكز التجارة واللوجستيك في شمال المغرب.


