بينما كانت نخب العالم تجتمع في فندق “رينا كريستينا” الفاخر عام 1906، كان مصير ملايين المغاربة يطبخ على نار هادئة بعيدا عنهم. في الذكرى الـ 120 لـ مؤتمر الجزيرة الخضراء، نعيد قراءة “صك الاستعمار” الذي لم يكن مجرد لقاء دبلوماسي، بل عملية “جراحية” لتمزيق سيادة المملكة بمباركة عالمية.
من هم “المتآمرون”؟.. 13 دولة على طاولة واحدة
لم يكن المغرب في مواجهة جار واحد، بل أمام تحالف دولي ضم 13 دولة وقعت على “الميثاق النهائي”، وهي: (ألمانيا، النمسا-المجر، بلجيكا، إسبانيا، الولايات المتحدة، فرنسا، بريطانيا، إيطاليا، هولندا، البرتغال، روسيا، السويد، وبالطبع المغرب الذي كان حضوره صوريا).
انعقد المؤتمر بضغط من ألمانيا (القيصر ويليام الثاني) لكسر الهيمنة الفرنسية. وبدعم بريطاني حاسم لباريس، تم رسم حدود النفوذ؛ بريطانيا لم تدعم فرنسا حبا فيها، بل لتأمين “جبل طارق”؛ حيث جرى منح إسبانيا (التي كانت تعيش ضعفا كبيرا بعد كارثة 1898) أجزاء من شمال وجنوب المغرب، لتلعب دور “المنطقة العازلة” التي تمنع النفوذ الفرنسي من التماس المباشر مع الحدود البريطانية في المضيق.
لم يكتف المؤتمر بتقسيم الأرض، بل صادر “قرار الدولة” عبر مؤسسات وضعت في يد القوى الاستعمارية:
- البنك المخزني المغربي: أصبح تحت سيطرة رؤوس الأموال الأوروبية.
- الأمن والجمارك: وضعت تحت إشراف فرنسي إسباني مشترك، ما جرد السلطنة من مواردها وقدرتها على الحكم الذاتي.
من القلم إلى البندقية: صرخة المقاومة
هذا “البيع والتقسيم” لم يمر دون ثمن. فما خط بالريشة في الجزيرة الخضراء، واجهه أهل الأرض بالرصاص. كانت هذه الاتفاقيات هي الوقود الذي أشعل “حروب التحرر” المجيدة، فمن معارك الشريف محمد أمزيان إلى ملحمة الأمير محمد بن عبد الكريم الخطابي في الريف، وجهاد موحى أوحمو الزياني في الأطلس، وعسو أوبسلام في الجنوب الشرقي، وغيرها من الملاحم في مختلف ربوع الوطن، تحولت “الحماية” إلى جحيم فوق القمم، وأثبت المغاربة أن الأرض التي قسمت في غرف الفنادق، لا تسترد إلا في ميادين الشرف.
اليوم، يظل مؤتمر الجزيرة الخضراء شاهدا على كيف تصنع حدود الدول بمصالح القوى العظمى، وكيف تهدم الأحلام الاستعمارية بإرادة الشعوب وصمود الأجداد.


