تواصل اللحوم في المغرب استنزاف القدرة الشرائية للأسر، بعدما تحولت من مادة أساسية على المائدة المغربية إلى منتج يصعب على فئات واسعة اقتناؤه بشكل منتظم، في ظل استمرار الأسعار عند مستويات مرتفعة رغم الإجراءات الحكومية الرامية إلى احتواء الأزمة.
ورغم توجه الحكومة نحو استيراد الأبقار والأغنام من الخارج بهدف تخفيف الضغط على الأسواق الوطنية، إلا أن هذه الخطوة لم تنجح في إحداث تراجع ملموس في الأسعار، ما أعاد إلى الواجهة تساؤلات واسعة حول الأسباب الحقيقية التي تقف وراء هذا الغلاء المتواصل.
ويرى مهنيون وخبراء أن الأزمة لا ترتبط فقط بعوامل الجفاف وارتفاع أسعار الأعلاف، بل تكشف عن اختلالات عميقة داخل منظومة إنتاج وتسويق اللحوم، تبدأ من المربي وتنتهي عند المستهلك، مرورا بعدة حلقات من الوسطاء الذين يرفعون الأسعار في كل مرحلة.
في هذا السياق، أوضح بوعزة الخراطي، رئيس الجامعة المغربية لحقوق المستهلك، أن سلسلة توزيع الماشية تعرف تدخلا كبيرا لوسطاء متعددين، ما يساهم بشكل مباشر في رفع الأسعار بشكل متكرر قبل وصول اللحوم إلى الأسواق.
وأشار إلى أن العملية تبدأ مع “الكساب” الذي يبيع مواشيه إلى طرف آخر يعرف بـ”العلاف”، وهو المسؤول عن تسمين الأبقار أو الأغنام قبل عرضها للبيع، حيث يضيف تكلفة الأعلاف وهامش ربحه إلى السعر الأصلي.
ولا تتوقف سلسلة الوسطاء عند هذا الحد، إذ تدخل أطراف أخرى داخل الأسواق الأسبوعية، من بينهم “الشناقة” الذين يشترون المواشي ويعيدون بيعها بسرعة لتحقيق أرباح فورية، إلى جانب “السبيبية” الذين ينشطون في تجارة الأبقار والعجول، وهو ما يؤدي إلى تضخم الأسعار بشكل تدريجي مع كل عملية بيع جديدة.
من جهته، اعتبر الخبير الاقتصادي محمد جدري أن الوسطاء أصبحوا يتحكمون بشكل كبير في السوق، من خلال التحكم في حجم العرض، خاصة خلال الفترات التي يرتفع فيها الطلب مثل شهر رمضان وعيد الأضحى وموسم الصيف.
وأوضح أن بعض المضاربين يلجؤون إلى تقليص الكميات المعروضة عمدا، كما ينسقون فيما بينهم لتحديد الأسعار، ما يضع الجزارين أمام واقع الشراء بأسعار مرتفعة، لينعكس ذلك مباشرة على المستهلك النهائي.
إلى جانب المضاربة، ترتفع كلفة اللحوم بسبب مصاريف النقل والرسوم المفروضة داخل المجازر، حيث تختلف الضرائب بين المدن والمناطق القروية، ما يساهم بدوره في توسيع الفارق في الأسعار بين مختلف المناطق.
كما ساهمت سنوات الجفاف المتتالية في تراجع المراعي الطبيعية وارتفاع أسعار الأعلاف بشكل كبير، وهو ما زاد من الأعباء المالية على المربين، وأثر على حجم القطيع الوطني.
وفي السياق ذاته، أشار الخراطي إلى وجود اختلالات في نظام التلقيح الاصطناعي للأبقار، معتبرا أن ضعف التحكم في عمليات التوالد يؤدي إلى ارتفاع تكاليف الإنتاج وتراجع وتيرة تجديد القطيع.
ويرى متابعون أن هذه المؤشرات تعكس أزمة هيكلية عميقة داخل قطاع تربية المواشي، في وقت لا تزال فيه الحلول الحكومية الحالية، وعلى رأسها الاستيراد، مجرد تدابير ظرفية لا تعالج جذور المشكلة.
ويبقى الرهان الأساسي، بحسب الخبراء، هو إعادة هيكلة القطاع بشكل شامل، عبر تقليص دور الوسطاء، ودعم المربين، وتحسين الإنتاج الوطني، بما يضمن استقرار الأسعار ويحافظ على الأمن الغذائي للمملكة.


