تتجه الساحة السياسية الإسرائيلية نحو مرحلة من الاستقطاب الحاد وإعادة ترتيب مراكز القوى مع اقتراب موعد الانتخابات التشريعية المقررة في شهر أكتوبر المقبل، وسط صعود لافت للتيار العسكري العابر للتصنيفات الأيديولوجية التقليدية، والذي بات يهدد بشكل مباشر الهيمنة التاريخية لحزب “الليكود” الحاكم.
ووفقا لآخر استطلاع رأي أجرته هيئة البث العامة الإسرائيلية “كان”، فقد فجرت القائمة الانتخابية التي يقودها رئيس هيئة الأركان السابق، غادي آيزنكوت، مفاجأة مدوية باحتلالها المرتبة الثانية بعدما حصدت 21 مقعدا متوقعا، متجاوزة بذلك تحالف المعارضة التقليدي بقيادة نفتالي بينيت ويائير لابيد الذي تراجع إلى 17 مقعدا. وبهذه الأرقام، أضحى آيزنكوت المنافس الأبرز لحزب “الليكود” بزعامة بنيامين نتنياهو المتصدر بـ 23 مقعدا، مما دفع الجنرال السابق لإعلان رغبته المباشرة في التنافس على كرسي رئاسة الوزراء، رافضا تموقع قائمته بين تيار اليمين أو اليسار.
ويستند آيزنكوت – وهو أول رئيس أركان في تاريخ الدولة العبرية من أصل مغربي – في شرعيته السياسية على سجل عسكري صارم؛ إذ يقدم نفسه كـ “صقر” أمني مستفيدا من فترة قيادته للجيش بين عامي 2015 و2019. وتستغل حملته الانتخابية تداعيات أحداث السابع من أكتوبر 2023، والتطورات الدبلوماسية الدولية كالتفاهمات الأخيرة بين واشنطن وطهران، لتوجيه انتقادات لاذعة للسياسة الأمنية للحكومة الحالية. ويبني الجنرال خطابه على إرثه الحربي المرتبط بصياغة “عقيدة الضاحية” التدميرية عام 2006 وقمع مسيرات العودة في غزة عام 2018، فضلا عن دفعه ثمنا عائليا شخصيا بوفاة ابنه “غال” في المعارك الأخيرة بالقطاع.
ولم يكن آيزنكوت بعيدا عن مطبخ القرار الإستراتيجي مؤخرا، حيث انضم رفقة بيني غانتس إلى مجلس الحرب المصغر بعد أحداث أكتوبر بهدف توحيد الجبهة الداخلية، غير أن هذه الشراكة انفرط عقدها سريعا نتيجة خلافات جوهرية مع نتنياهو؛ حيث عارض آيزنكوت فتح جبهة مواجهة ثانية ضد حزب الله متعللا بعدم جاهزية الجيش، وخاض صدامات حادة لمنح الأولوية القصوى لملف تبادل الرهائن، مما قاده وغانتس للانسحاب من المجلس في يونيو الماضي.
ورغم الإرث التاريخي الذي يسهل عبور قادة الجيش إلى المعترك السياسي، إلا أن طريق آيزنكوت لا يخلو من العقبات؛ إذ يصنف كخطيب متوسط الأداء ويفتقر إلى الآلة الحزبية والموارد المالية الضخمة المقارنة بخصومه. كما يخوض معركة إعلامية شرسة ضد الماكينة الدعائية لنتنياهو على شبكات التواصل الاجتماعي، والتي حاولت مرارا التقليل من شأنه واستهداف قدراته القيادية ولكنته الإنجليزية.
وفي مواجهة هذه الهجمات، يبدي آيزنكوت صلابة واضحة رافضا قاطعا أي تحالف مستقبلي مع اليمين المتطرف ممثلا في إيتمار بن غفير، ويرد على معسكر نتنياهو بأن “فصاحته اللغوية وكاريزمته” لم تمنعا الإخفاق الأمني الكبير في 7 أكتوبر ولم تحميا العلاقات الإستراتيجية مع حليفهم الأمريكي. ومع ذلك، يظل التحدي الحقيقي أمام الجنرال هو إثبات كفاءته خارج الزي العسكري، عبر تقديم حلول ملموسة للأزمات البنيوية الداخلية، وفي مقدمتها تدهور القدرة الشرائية، وتراجع منظومة التعليم، واتساع الفجوات الاجتماعية.


