الأكثر مشاهدة

فايننشال تايمز: أزمة سبتة عززت النفوذ التفاوضي للمغرب وأبرزت قوة الرباط أمام مدريد

اعتبرت صحيفة “فايننشال تايمز” البريطانية أن أزمة العبور الجماعي التي شهدتها مدينة سبتة المحتلة لم تكن مجرد حادث مرتبط بالهجرة غير النظامية، بل شكلت محطة كشفت عن تغيرات أعمق في طبيعة العلاقة بين المغرب وإسبانيا. وذكرت الصحيفة، في تقرير بعنوان “الملك الذي تفوق على بيدرو سانشيز بدهائه”، أن الرباط استطاعت توظيف ملفات استراتيجية، وفي مقدمتها الهجرة، لتعزيز موقعها التفاوضي مع حكومة رئيس الوزراء الإسباني بيدرو سانشيز، في ظل اعتماد متبادل يربط البلدين اقتصاديا وأمنيا وسياسيا.

وأوضحت الصحيفة أن المغرب، رغم أن اقتصاده يمثل جزءا محدودا مقارنة بالاقتصاد الإسباني، يمتلك أوراق تأثير مهمة بفضل موقعه الجغرافي ودوره في تدبير تدفقات الهجرة نحو أوروبا، خاصة عبر سبتة ومليلية المحتلتين باعتبارهما المنفذين البريين الوحيدين للاتحاد الأوروبي في القارة الإفريقية. وأضافت أن عبور نحو 60 ألف شخص إلى سبتة خلال الأزمة الأخيرة لم يكن حدثا معزولا، بل جاء بعد سنوات من التحولات في العلاقات الثنائية، مشيرة إلى أن الرباط أصبحت أكثر ثقة في إدارة ملفاتها مع مدريد.

واستند التقرير إلى آراء عدد من الباحثين، من بينهم بول مورياس، مدير مركز CIDOB في برشلونة، الذي اعتبر أن ما وقع يمثل نموذجا لما يعرف بـ”تسليح الهجرة”، موضحا أن الدول متوسطة القوة أصبحت قادرة على تحقيق نفوذ يفوق حجمها من خلال استثمار علاقات الاعتماد المتبادل. كما قارن ما حدث في سبتة بحالات شهدتها الحدود التركية اليونانية والحدود بين بيلاروسيا وبولندا، حيث استعملت الهجرة كورقة ضغط جيوسياسية. ونقلت الصحيفة أيضا عن ريكاردو فابياني، مدير برنامج شمال إفريقيا في مجموعة الأزمات الدولية، قوله إن أزمة استقبال زعيم جبهة البوليساريو إبراهيم غالي سنة 2021 كانت نقطة تحول في العلاقات، إذ اعتبر المغرب، بحسب فابياني، أن طريقة تعامل مدريد مع الملف عكست “غياب الاحترام”، ما دفع الرباط إلى إعادة صياغة قواعد العلاقة مع إسبانيا.

- Ad -

ورأت فايننشال تايمز أن الأزمة مهدت لتقارب سياسي مهم توج سنة 2022 بدعم مدريد لمبادرة الحكم الذاتي المغربية في الصحراء، وهو ما وصفته الصحيفة بأنه مكسب دبلوماسي بارز للمغرب، قبل أن يتعزز التعاون بين البلدين في ملفات أخرى، من بينها التنظيم المشترك لكأس العالم 2030، والتعاون خلال الفيضانات التي شهدتها مدينة فالنسيا. وفي المقابل، أشارت الصحيفة إلى استمرار ثلاثة ملفات خلافية، تتمثل في علاقة إسبانيا بالجزائر، واستمرار النزاع حول سبتة ومليلية، إضافة إلى اختلاف مقاربة الرباط ومدريد في التعامل مع إدارة الرئيس الأمريكي دونالد ترامب.

وأضاف التقرير أن الحكومة الإسبانية اختارت خلال السنوات الأخيرة الحفاظ على علاقات هادئة مع المغرب لتأمين التعاون في مكافحة الهجرة غير النظامية، غير أن مسؤولين إسبان سابقين اعتبروا أن هذه المقاربة قد تكون فهمت في الرباط على أنها مؤشر ضعف. كما لفتت الصحيفة إلى أن رئيس الحكومة الإسبانية تجنب خلال أزمة سبتة توجيه اتهامات مباشرة إلى المغرب، مؤكدا أن التنسيق بين البلدين سمح بإعادة معظم المهاجرين في أقل من 24 ساعة، بينما حمل المسؤولية لشبكات تهريب البشر ولانتشار المعلومات المضللة عبر مواقع التواصل الاجتماعي، وهو الموقف الذي تبنته السلطات المغربية أيضا.

وفي ختام تقريرها، خلصت فايننشال تايمز إلى أن أزمة سبتة لم تكشف فقط هشاشة الحدود الجنوبية للاتحاد الأوروبي، بل أبرزت أيضا كيف أصبحت الهجرة ملفا جيوسياسيا مؤثرا في العلاقات المغربية الإسبانية، إلى جانب ملفات الطاقة والأمن والسيادة، بما يمنح المغرب، وفق قراءة الصحيفة، قدرة متزايدة على التأثير في حسابات مدريد وصياغة مستقبل العلاقة بين البلدين.

مقالات ذات صلة