الأكثر مشاهدة

الاستعمار الكروي الجديد.. حين تخلى أسود الأطلس عن كبريائه لفرنسا وإسبانيا

تبدأ أعظم السجالات الرياضية دائما من تفاصيل بسيطة؛ رهان عابر بين صديقين، توقعات ترمى على طاولة مقهى، وشغف لا ينطفئ بكرة القدم. لكن خلف هذا الرهان البسيط، قد تختبئ أحيانا مشاعر معقدة وصراعات نفسية تتجاوز حدود المستطيل الأخضر، لتلامس التاريخ، الهوية، ومرارة الخسارة القديمة التي لم تندمل بعد.

في تجربة شخصية تلخص هذا الصراع، بدأت الحكاية بتوقعين متعارضين حول مواجهة كروية كبرى: كنت أدافع بحماس عن فوز فرنسا، بينما كان صديقي يصر بيقين تام على أن إسبانيا هي من ستعتلي منصة التتويج. وفي النهاية، صدقت نبوءة صديقي، وربحت إسبانيا. لكن خلف هذا الرهان، كانت هناك حقيقة أخرى أعمق بكثير من مجرد رغبة في الفوز بالصدمة الرياضية.

التخاطر الخفي البحث عن “شرف الخصم”

لم يكن حماسي لفرنسا نابعًا من حب لقميصها الأزرق، بل كان نوعا من “التخاطر النفسي” غير المعلن مع الذات. كنت أريد لفرنسا أن تفوز، لا لشيء، إلا لأقنع نفسي بأن هزيمة المنتخب المغربي السابقة أمامها كانت منطقية وحتمية؛ أردت أن أرى فرنسا في أبهى صورها لكي أقول بضمير مستريح: “لا بأس، لقد خسر المغرب أمام بطلٍ حقيقي لا يقهر”.

- Ad -

لقد كان البحث عن قوة فرنسا محاولة لترميم كبرياء كروي جريح، ومحاولة لإضفاء شرعية شرفية على خروج أسود الأطلس.

لكن، وكما تفعل كرة القدم دائما، تهاوت الأقنعة على أرض الملعب.

عندما بدأت المباراة، وراقبت طريقة لعب المنتخب الفرنسي أمام إسبانيا، لم أجد ذلك “المارد” الذي يستحق أن ينحني له الجميع. رأيت فريقا باهتا، ثقيل الخطوات، ومستسلما. وفي تلك اللحظة بالذات، لم أشعر بالخيبة من خسارة الرهان مع صديقي، بل اغرورقت عيناي بالدموع حزنا على المنتخب المغربي.

“تلك الدموع لم تكن على فوز إسبانيا، بل كانت حسرة على منتخبنا الوطني الذي بدا في لحظات الحسم وكأنه تخلى عن هويته القتالية، وترك الساحة فارغة لفرنسا وإسبانيا لتتقاسما المجد.”

لقد تبين لي بوضوح أن القوى التقليدية لم تكن بتلك القوة الخارقة، بل نحن من صغّرنا من حجم أنفسنا، وتركنا الساحة لمن كنا نرجو الانعتاق من عقدتهم التاريخية.

تهنئة مغلفة بالمرارة “الاستعمار الجديد”

في نهاية المطاف، سارت الكأس إلى حيث أراد التاريخ المعاصر للكرة الأوروبية. فازت إسبانيا، وخرجت فرنسا بوجه شاحب، وبقينا نحن نتجرع مرارة التساؤل.

هنأنا إسبانيا على فوزها المستحق، لكنها تهنئة تحمل في طياتها الكثير من السخرية السوداء والمرارة. هنيئا لفرنسا وإسبانيا اللتين تربعتا مجددًا على عرش العاطفة الكروية في منطقتنا، وهنيئا لمنتخبنا المغربي على هذا “الاستعمار الجديد”؛ استعمار رياضي ونفسي ارتضيناه لأنفسنا عندما لم نؤمن، في اللحظة الحاسمة، بأننا كنا الأجدر بالسيادة وبكتابة التاريخ بأيدينا لا بأيدي الآخرين.

مقالات ذات صلة