دخل الصراع داخل الاتحاد الدولي لكرة القدم «فيفا» مرحلة جديدة، بعدما تحولت أزمة مشروع بيع جزء من الحقوق التجارية لكأس العالم من خلاف حول صفقة لم تكتمل إلى مواجهة مفتوحة حول طريقة إدارة المؤسسة الدولية ومستقبل قيادتها.
ففي رسالة مشتركة غير مسبوقة، وجهت الكونفدراليات الأوروبية والآسيوية وأمريكا الشمالية والوسطى والكاريبي انتقادات مباشرة إلى قيادة «فيفا»، معتبرة أن ما حدث لا يمكن اختزاله في مجرد أخطاء في التواصل أو خلل إجرائي، وإنما يعكس، بحسبها، إخفاقا في تقدير القرار وخرقاً للثقة التي يفترض أن تحكم العلاقة بين قيادة الاتحاد الدولي ومؤسساته القارية والوطنية.
الرسالة، الصادرة الاثنين 10 غشت 2026، حملت توقيعات رؤساء وأمناء عامين للكونفدراليات الثلاث، يتقدمهم ألكسندر تشيفرين عن «يويفا»، وسلمان بن إبراهيم آل خليفة عن الاتحاد الآسيوي، وفيكتور مونتالياني عن «كونكاكاف».
عندما تصبح الصفقة أزمة قيادة
في خلفية هذا التصعيد يوجد مشروع تجاري كان يرمي إلى فصل جزء من الحقوق التجارية لكأس العالم وإدخال مستثمرين من القطاع الخاص في هيكل تجاري جديد، عبر بيع حصة تصل إلى 20 في المائة مقابل نحو 4.2 مليارات دولار.
المشروع تراجع لاحقاً تحت ضغط الاعتراضات، لكن تداعياته لم تتراجع معه.
فالكونفدراليات الثلاث ترى أن المشكلة لم تكن فقط في الطريقة التي قُدم بها المقترح، وإنما في محاولة طرح فكرة تمس الحقوق التجارية لكأس العالم ضمن آجال ضيقة، ومن دون مشاورات اعتبرتها كافية، مع دفع الاتحادات إلى إبداء مواقفها قبل أن تتاح لها فرصة دراسة التفاصيل والشروط بشكل كامل.
وبهذا المعنى، انتقلت القضية من سؤال: هل كان بالإمكان تمرير الصفقة؟ إلى سؤال أكبر: كيف تتخذ القرارات داخل فيفا ومن يملك حق رسم مستقبل أهم منتج رياضي في العالم؟
كانت «فيفا» قد أقرت بوجود أخطاء في المسار الذي رافق المشروع، في مراسلة موجهة إلى نواب الرئيس والاتحادات الوطنية الـ211.
غير أن هذا التفسير لم يقنع الكونفدراليات الثلاث.
فبحسب رسالتها، لا يتعلق الأمر بمعلومة لم تصل في الوقت المناسب أو بسوء تنسيق بين الإدارات، وإنما بطريقة تصميم القرار نفسه. وترى الهيئات القارية أن تقديم المشروع ضمن جدول زمني ضيق، مع غياب مشاورات فعلية، أدى عملياً إلى تقليص فرص التدقيق في تفاصيله.
ومن هنا جاء التصعيد في اللغة، إذ اعتبرت أن محاولة بيع حصة في الحقوق التجارية لكأس العالم شكلت «خرقاً أساسياً للثقة»، وأن قيادة كرة القدم العالمية يفترض أن تكون مسؤولية جماعية لا سلطة شخصية.
المغرب يدخل مباشرة إلى صلب المواجهة
ولم يقتصر الخلاف على مشروع الحقوق التجارية، بل امتد إلى اجتماع عقدته قيادة «فيفا» في المغرب خلال الأسبوع الماضي بهدف احتواء الأزمة.
وهنا وجدت الكونفدراليات الثلاث سبباً إضافياً لانتقاد طريقة إدارة الملف، إذ قالت إن الاجتماع لم يشهد، وفق المعطيات التي استندت إليها، مشاركة أعضاء من مجلس «فيفا» أو ممثلين عن الاتحادات الوطنية، واقتصر الحضور على عدد محدود من المسؤولين داخل إدارة الاتحاد الدولي.
كما أثارت عقد الاجتماع خارج المقر الرئيسي لـ«فيفا» في زيورخ، وبمشاركة محدودة من أعضاء لجنة الإدارة، انتقادات إضافية من الهيئات الثلاث، التي رأت أن هذا الأسلوب لم يبدد المخاوف المتعلقة بالحكامة، بل زادها.
وبذلك، تحول الاجتماع الذي احتضنه المغرب من محاولة لاحتواء الأزمة إلى واحد من الملفات التي تستند إليها الكونفدراليات في انتقاد طريقة تعامل قيادة «فيفا» معها.
أحد أكثر المطالب حساسية في الرسالة يتمثل في الدعوة إلى إجراء مراجعة مستقلة بالكامل للوقائع المرتبطة بالمشروع.
فالكونفدراليات الثلاث لا ترى أن إعداد إدارة «فيفا» تقريراً داخلياً ثم عرضه على مجلس الاتحاد الدولي كافٍ، وتطالب بإسناد التحقيق إلى جهة ثالثة مستقلة، بعيداً عن إدارة «فيفا» وموظفيها وأي طرف من داخل منظومة كرة القدم.
كما دعت إلى الحفاظ على جميع الوثائق والسجلات والمراسلات المرتبطة بالقضية، في خطوة تعكس حجم الشكوك التي أصبحت تحيط بالمسار الذي اتبع في إعداد المشروع والترويج له.
المفارقة أن الخلاف لا يدور حول رفض توسيع مسابقات كأس العالم أو إعادة النظر في توزيع الموارد أو تغيير حصص البطولات.
فالكونفدراليات الثلاث أكدت أن هذه الملفات ليست موضع نزاع، وأن الإنجازات التي تحققت خلال السنوات الماضية، من توسيع المسابقات إلى منح استضافة نسختي 2030 و2034 وتوزيع الموارد على الاتحادات الوطنية، كانت ثمرة قرارات جماعية.
المشكلة، وفق رسالتها، هي في طريقة ممارسة السلطة.
ولهذا ركزت الرسالة على فكرة أن كرة القدم لا يملكها شخص أو مؤسسة منفردة، وإنما هي ملك للاعبين والجماهير والأندية والاتحادات الوطنية والهيئات التي يفترض أن تحمي مستقبل اللعبة.
إنفانتينو يواجه جبهة معارضة متنامية
هذا التصعيد يضع جياني إنفانتينو أمام واحد من أصعب الاختبارات السياسية منذ توليه رئاسة «فيفا».
ففي الوقت الذي لا تزال فيه قيادات واتحادات أخرى تدعم رئيس الاتحاد الدولي، أبرزها الاتحاد الإفريقي لكرة القدم، بدأت أصوات داخل اتحادات وطنية وقارية أخرى في التشكيك في طريقة قيادته، فيما سحبت بعض الاتحادات دعمها السابق لإعادة انتخابه أو أعلنت مواقف أكثر تحفظاً.
وتزداد حساسية الوضع بالنظر إلى أن إنفانتينو يستعد لمعركة انتخابية جديدة على رئاسة «فيفا» في 2027، ما يجعل أي تراجع في شبكة الدعم القاري أو الوطني ذا أبعاد سياسية تتجاوز الأزمة الحالية.
كما أن بعض التقارير ذهبت إلى الحديث عن دعوات صريحة لتغيير القيادة، ما يرفع سقف المواجهة من مجرد تصحيح مسار صفقة تجارية إلى نقاش حول مستقبل رئاسة الاتحاد الدولي نفسها.
الأخطر بالنسبة إلى قيادة «فيفا» أن الرسالة لم تكتف بانتقاد مشروع تم التخلي عنه، وإنما وضعت مفهوم الحكامة والثقة في قلب المواجهة.
فالكونفدراليات الثلاث تريد، بحسب موقفها المعلن، أن تكون القرارات الكبرى داخل كرة القدم العالمية نتاج توافق ومشاورات حقيقية، لا قرارات تقدم إلى المؤسسات باعتبارها أمرا واقعا.
وفي المقابل، ما تزال داخل منظومة كرة القدم الدولية قوى وازنة تساند إنفانتينو، وهو ما يجعل المعركة المقبلة مفتوحة على أكثر من احتمال.
لكن المؤكد أن ما بدأ كخلاف حول صفقة تجارية بقيمة مليارات الدولارات أصبح اليوم اختباراً سياسياً لحدود سلطة رئيس «فيفا»، ولشكل العلاقة بين الاتحاد الدولي والكونفدراليات التي تشكل عموده الفقري.
المغرب.. من مكان للاجتماع إلى جزء من قصة الأزمة
وهكذا وجد المغرب نفسه، بشكل غير مباشر، في قلب واحدة من أكثر أزمات كرة القدم العالمية حساسية في السنوات الأخيرة.
فالاجتماع الذي احتضنته المملكة كان يفترض أن يساهم في تهدئة التوتر، لكنه أصبح لاحقاً جزءاً من النقاش حول طريقة إدارة الأزمة.
وفي الوقت الذي تتجه فيه الأنظار إلى ما ستسفر عنه المطالب بإجراء تحقيق مستقل، يبقى السؤال الأكبر مطروحاً داخل «فيفا»: هل تنتهي القضية باعتذار وتصحيح للمسار، أم أنها ستكون بداية معركة أوسع حول مستقبل القيادة والحكامة في كرة القدم العالمية؟
الرسالة المشتركة لثلاث من أكبر الكونفدراليات لم تترك مجالا كبيرا للعودة إلى ما قبل الأزمة؛ فقد نقلت الخلاف من غرف الاجتماعات إلى العلن، وجعلت الثقة والشفافية ومن يملك القرار عناوين المرحلة المقبلة في الاتحاد الدولي.


