بعد أيام من النوم في العراء، وجد موندير أخيرا مكانا آمنا ينام فيه. الطفل المغربي، الذي لم يتجاوز الثالثة من عمره ويعاني من الشلل الدماغي، لم يعد مضطرا إلى قضاء الليل فوق بطانية ممددة على الأرض في أحد مخيمات سبتة، بعدما تمكنت جمعيات محلية من توفير مأوى مؤقت له ولوالديه.
القصة التي أثارت اهتماما واسعا بدأت بعائلة وصلت إلى سبتة في ظروف بالغة الصعوبة، قبل أن تجد نفسها أمام مشكلة أخرى لا تقل قسوة: أين ستنام؟
وكانت والدة موندير، وهي حامل في شهرها السادس، ترافق طفلها الذي يحتاج إلى رعاية خاصة، بينما ظل والدهما يتنقل بين مؤسسات مختلفة بحثاً عن حل يحمي الأسرة من قسوة الشارع.
من البحر إلى المستشفى
غادرت العائلة مدينة العرائش قبل وصولها إلى سبتة خلال موجة الهجرة الجماعية التي بدأت في 30 يوليوز.
وبحسب رواية الوالدين، فقد خاضا البحر سباحة للوصول إلى المدينة، مصطحبين معهما ابنهما رغم إعاقته، أملاً في أن تفتح له هذه الرحلة باباً نحو العلاج والرعاية الطبية.
لكن الوصول لم يكن نهاية المعاناة.
فبمجرد وصوله إلى سبتة، نُقل موندير بواسطة سيارة إسعاف إلى المستشفى، في حين نُقل والداه إلى مركز مخصص للمهاجرين.
وبعد ذلك، بدأت رحلة أخرى من نوع مختلف، رحلة البحث عن مكان يمكن للعائلة أن تستقر فيه.
مستشفى.. شرطة.. صليب أحمر.. ثم الشارع
تنقلت الأسرة بين المستشفى ومركز الشرطة والصليب الأحمر ومنطقة تراجال، قبل أن ينتهي بها الأمر في مخيم مؤقت بمنطقة سيدي مبارك.
هناك، لم يكن في انتظار الطفل سرير أو غرفة أو حتى مكان مجهز يتناسب مع وضعه الصحي.
كان عليه أن ينام فوق بطانية سميكة ممددة مباشرة على الأرض، بينما بقيت والدته إلى جواره، تحاول حمايته في ظروف لا توفر الحد الأدنى من الاستقرار لطفل في الثالثة، فما بالك بطفل يعاني من إعاقة وترافقه أم حامل.
تحولت البطانية إلى سرير، وتحول المخيم المؤقت إلى مأوى اضطراري لعائلة لم تجد أمامها خياراً آخر.
لم تستمر هذه الوضعية طويلاً بعد أن لفتت قصة الأسرة الانتباه.
وبمجرد علم منظمة كاريتاس سبتة بوجود طفل من ذوي الإعاقة ووالدته الحامل في الشارع، بدأت التحركات للبحث عن مكان أكثر ملاءمة للعائلة.
وبالتنسيق مع جمعية كاردين، وبدعم من الصليب الأحمر، تم العثور على مأوى في منطقة سان أنطونيو.
وهكذا، بعد عدة ليالٍ قاسية، تمكن موندير ووالداه من الانتقال من العراء إلى مكان يمكنهم فيه النوم تحت سقف، ولو بشكل مؤقت.
ولا يمثل هذا المأوى حلاً نهائياً لوضع الأسرة، لكنه أنهى، في الوقت الراهن، واحدة من أكثر مراحل رحلتها قسوة.
طفل واحد.. وقصة آلاف آخرين
قصة موندير لا تبدو حالة منفردة في سبتة.
فموجة الوصول الكبيرة التي شهدتها المدينة في نهاية يوليوز خلفت أوضاعاً إنسانية صعبة، مع وجود أعداد كبيرة من الأشخاص الذين وجدوا أنفسهم من دون مأوى.
وكانت العائلات والأطفال والقاصرون من بين الأكثر عرضة لهذه الظروف، حيث اضطر بعضهم إلى قضاء الليل في الشوارع أو على الشواطئ، بينما لجأ آخرون إلى أماكن غير مهيأة للسكن.
وفي ظل محدودية أماكن الإيواء، أصبح تدخل الجمعيات الإنسانية والسكان المحليين عاملاً أساسياً في مساعدة الوافدين على تجاوز الأيام الأولى.
بالنسبة إلى موندير ووالديه، تبدلت الصورة قليلا: لم تعد الأسرة تنام في العراء، والطفل الذي كان يفترش الأرض بات يملك مكاناً أكثر أمناً لقضاء الليل.
لكن المأوى المؤقت لا يلغي الأسئلة الأكبر التي تواجه العائلة، خصوصاً ما يتعلق بوضع الطفل الصحي، وحاجة والدته الحامل إلى الرعاية، ومستقبل الأسرة بعد انتهاء فترة الإيواء.
وهنا تكمن المفارقة في قصة موندير: فقد كان الوصول إلى سبتة بالنسبة إلى والديه محاولة لمنح طفلهم فرصة أفضل للعلاج، لكنه وجد نفسه في نهاية المطاف أمام واقع مختلف تماماً، حيث كان أول ما يحتاج إليه بعد عبور البحر ليس العلاج فقط، وإنما سرير ومكان آمن للنوم.
وفي الوقت الذي وجد فيه موندير أخيرا سقفا يحميه من العراء، لا تزال قصته تذكيراً بالوجه الإنساني لأزمة الهجرة في سبتة، حيث قد يكون الفارق بين ليلة في الشارع وليلة تحت سقف هو مجرد تدخل من جمعية أو مبادرة من شخص قرر ألا يترك عائلة تواجه مصيرها وحدها.


