في غضون شهر واحد، تغيرت وتيرة واحدة من أكثر الملفات حساسية بين المغرب وسويسرا بشكل لافت. فبعد أشهر من الشكاوى السويسرية بشأن بطء تحديد هويات بعض المواطنين المغاربة المطلوب إعادتهم، قفز عدد عمليات التحقق من هوية شخص واحد فقط خلال شهري فبراير ومارس إلى 185 حالة في أبريل.
هذا التحول لم يأتِ بمعزل عن تحرك سياسي ودبلوماسي بين الرباط وبرن، في وقت كانت فيه السلطات السويسرية تضغط من أجل تسريع إجراءات إعادة الأشخاص الذين صدرت بحقهم قرارات مغادرة.
أكثر من عام لتحديد الهوية
كانت السلطات السويسرية قد عبرت، على مدى أشهر، عن استيائها من طول المدة التي تستغرقها بعض إجراءات التحقق من هوية المواطنين المغاربة.
وفي بعض الملفات، تجاوزت العملية عاماً كاملاً، وهو ما اعتبرته السلطات السويسرية زمناً طويلاً مقارنة بسرعة إنجاز عمليات التحقق في ملفات أخرى.
وفي مارس الماضي، نقل عضو حكومة كانتون برن فيليب مولر هذه المخاوف مباشرة إلى وزير العدل السويسري بيات يانز، متهماً الجانب المغربي بما وصفه بـ«المماطلة في الإجراءات».
وحاول مولر إبراز التفاوت في المدد من خلال مقارنة ملفات الترحيل بالقضايا الجنائية، حيث يمكن تحديد هوية شخص في بعض القضايا خلال أسابيع، بينما تستغرق العملية أكثر من عام في بعض ملفات الإعادة.
لكن الأرقام بدأت في التغير بعد احتجاج سويسرا لدى السلطات المغربية.
فوفق الإحصاءات التي أوردتها صحيفة بليك، لم يتم التحقق سوى من هوية شخص واحد خلال شهري فبراير ومارس مجتمعين، قبل أن يقفز الرقم إلى 185 شخصا في أبريل.
القفزة لم تكن مجرد تحسن محدود في الأداء، بل مثلت تحولا كبيرا في وتيرة معالجة الملفات، وفتحت الباب أمام تساؤلات حول العوامل التي أدت إلى هذا التسارع في وقت قصير.
وبالنسبة إلى بعض المسؤولين السويسريين، شكلت الأرقام دليلاً على أن عملية التحقق يمكن أن تتم بسرعة أكبر عندما تتوافر الإرادة السياسية والتنسيق بين البلدين.
جاء هذا التغير في وقت تكثفت فيه الاتصالات السياسية بين الرباط وبرن.
ففي 24 أبريل، التقى وزير العدل السويسري بيات يانز بوزير الخارجية المغربي ناصر بوريطة، قبل أن يتوجه وزير الدولة السويسري للهجرة فينتشنزو ماسيولي إلى الرباط في 22 مايو لتوقيع اتفاق يتعلق بإجراءات العودة.
وهكذا، تزامن الضغط السياسي مع تحسن واضح في وتيرة التحقق من الهويات، ما أعطى ملف إعادة المواطنين المغاربة إلى سويسرا زخما جديدا.
غير أن وتيرة التحقق تراجعت بعد قفزة أبريل، إذ جرى تحديد هوية 14 شخصا في مايو، و14 آخرين في يونيو.
ورغم هذا التراجع، فإن الأرقام بقيت أعلى من المستويات التي سجلت في بداية العام.
سويسرا ترى أن التعاون أصبح أفضل
من جانبها، أقرت أمانة الدولة السويسرية للهجرة بحدوث تحسن ملحوظ في التعاون مع المغرب.
ويظهر هذا التحسن أيضاً في أرقام الإعادة نفسها. ففي النصف الأول من عام 2026، نفذت سويسرا عمليات إعادة قسرية إلى المغرب تقترب من العدد المسجل خلال عام 2025 بأكمله.
كما تستعد السلطات السويسرية لتسيير رحلات جوية إضافية إلى المغرب خلال الأسابيع المقبلة، في إطار تنفيذ قرارات الإعادة القائمة.
ويعكس ذلك انتقال الملف من مرحلة الانتقاد والضغط إلى مرحلة أكثر عملية، تقوم على تسريع تحديد الهويات وتنفيذ عمليات العودة.
في الوقت الحالي، يوجد 353 مواطنا مغربيا مطالبين بمغادرة الأراضي السويسرية.
لكن هذا الرقم لا يعني أن جميعهم قابلون للترحيل الفوري.
فإجراءات العودة تختلف من حالة إلى أخرى؛ إذ قد يتعذر العثور على بعض الأشخاص، بينما يوجد آخرون قيد الاحتجاز، في حين تتوقف عملية الإعادة في حالات أخرى على استكمال الإجراءات القانونية والإدارية اللازمة.
ولهذا، فإن ارتفاع عدد الأشخاص الذين تم التحقق من هوياتهم لا يساوي بالضرورة العدد الفعلي لعمليات الترحيل التي يمكن تنفيذها في وقت واحد.
ويأتي هذا التطور في إطار مسار أوسع تسعى من خلاله سويسرا إلى تحسين تنفيذ قرارات المغادرة، خصوصاً بالنسبة إلى الدول التي كان التعاون معها في السابق أكثر بطئا.
وبالنسبة إلى المغرب، يبدو أن ملف العودة أصبح جزءاً من حوار ثنائي أوسع، في وقت تسعى فيه برن إلى جعل إجراءات الترحيل أكثر فعالية، بينما تعمل الرباط على تعزيز تعاونها مع شركائها الأوروبيين في ملفات الهجرة.
لكن الأرقام الأخيرة تكشف أيضاً أن التقدم لا يسير بوتيرة ثابتة؛ فبعد القفزة الاستثنائية المسجلة في أبريل، عادت عمليات التحقق إلى مستويات أقل خلال مايو ويونيو.
الضغط السويسري مستمر
ويرى فيليب مولر أن التطورات المسجلة خلال الربيع تؤكد أن تحديد الهوية يمكن أن يتم بوتيرة أسرع بكثير، داعياً السلطات السويسرية إلى مواصلة الضغط على الجانب المغربي.
أما بالنسبة إلى السلطات السويسرية، فإن التحدي المقبل لن يكون فقط في الحصول على وثائق الهوية، وإنما في تحويل هذا التعاون إلى عمليات إعادة فعلية ومنتظمة.
وبين هوية واحدة في بداية العام و185 هوية في أبريل، ثم 14 في كل من مايو ويونيو، تبدو قضية ترحيل المواطنين المغاربة من سويسرا أمام مرحلة جديدة.
فالملف الذي ظل لأشهر مرتبطاً ببطء الإجراءات، أصبح الآن مرتبطاً بسؤال آخر: هل يتحول التحسن المفاجئ في التعاون إلى وتيرة مستقرة تتيح لسويسرا تنفيذ عدد أكبر من قرارات الإعادة؟


