أثار اختبار صاروخ بعيد المدى في المغرب اهتماما في أوساط المتابعين للشأن العسكري، بعد تداول صور مرتبطة بتجربة أجرتها القوات الأمريكية والمغربية في طانطان، غير أن التحليل المتداول من خبير إسباني متخصص في الشؤون العسكرية والدفاعية والاستراتيجيات الجيوسياسية يركز على جانب آخر يعتبره أكثر أهمية من مسألة الصاروخ نفسه.
وتعود التجربة إلى 6 غشت الجاري، عندما شاركت القوات الأمريكية والمغربية في أول عرض بالذخيرة الحية لشريك صناعي داخل مركز التدريب والتجريب متعدد المجالات “أمتيك” في طانطان.
ووفق المعطيات الواردة في التحليل، فقد جرى اختبار منظومة أنثام التي طورتها شركة أمريكية، وتوصف بأنها نظام صاروخي بعيد المدى ومنخفض التكلفة، وانتهت التجربة بإصابة الهدف المحدد.
لكن الخبير الإسباني يحذر من استنتاج أن المغرب أصبح يمتلك هذه المنظومة لمجرد اختبارها على أراضيه. فلا توجد، بحسب المعطيات المتاحة، معلومات علنية مؤكدة تثبت اقتناء القوات المسلحة الملكية للصاروخ، كما لا يوجد نطاق معلن وموثوق لمداه يمكن الاستناد إليه.
وبالتالي، فإن اختبار السلاح لا يعني بالضرورة دخوله الخدمة لدى المغرب، وهي نقطة أساسية في قراءة التطور العسكري بعيدا عن العناوين المبالغ فيها.
التحول الحقيقي في طانطان
ويرى الخبير أن القيمة الاستراتيجية للتجربة تكمن أساسا في طبيعة البيئة التي احتضنتها. فالمغرب لا يكتفي، وفق هذا التقييم، بدور المشتري لأنظمة عسكرية جاهزة، وإنما بدأ يتحول إلى فضاء يمكن فيه اختبار تقنيات عسكرية ناشئة بالتعاون مع الولايات المتحدة والصناعة الدفاعية.
وهنا تبرز أهمية مركز أمتيك، الذي يتيح الجمع بين الاحتياجات العسكرية والتطوير الصناعي والتجارب الميدانية والتقييم، بما قد يسرع الانتقال من التكنولوجيا إلى القدرة العملياتية.
ويعتبر التحليل أن هذا المسار يمكن أن يمنح القوات المغربية، على المدى البعيد، خبرة إضافية في التعامل مع أنظمة جديدة، إلى جانب تطوير قابلية التشغيل البيني مع القوات الأمريكية وتعزيز العلاقات مع الشركات العاملة في قطاع الدفاع.
من اقتناء الأسلحة إلى اختبارها
ويضع الخبير الإسباني هذه التطورات ضمن سياق أوسع لإعادة بناء القدرات العسكرية المغربية، والتي شملت خلال السنوات الماضية أنظمة مثل هيمارس والطائرات المقاتلة والطائرات المسيرة ووسائل الدفاع الجوي والاستطلاع والمراقبة والمدفعية بعيدة المدى وأنظمة القيادة والسيطرة والاتصالات، إلى جانب تطوير الصناعة الدفاعية الوطنية.
ومن هذه الزاوية، فإن تجربة صاروخ بعيد المدى في المغرب تكتسب أهمية باعتبارها مؤشرا على توسع الاهتمام بمرحلة التجريب والتقييم العسكري، وليس فقط بمرحلة شراء المعدات.
كما يربط التحليل بين اختبار منظومة بعيدة المدى والتطور التدريجي لقدرات الضربات الدقيقة، مع التأكيد مجددا على أن التجربة لا تكفي للقول إن الصاروخ أصبح جزءا من الترسانة المغربية.
توقيت لافت دون إثبات وجود علاقة
ويشير التحليل كذلك إلى أن التجربة جرت في 6 غشت، في فترة شهدت تصاعدا في الاهتمام الإسباني بسبتة ومليلية وتعزيز الحضور البحري الإسباني في محيط المنطقة.
غير أن الخبير يشدد على عدم وجود دليل يثبت ارتباط اختبار الصاروخ مباشرة بالتطورات المتعلقة بسبتة، إذ يمكن أن تكون التجربة مبرمجة مسبقا.
لكن من منظور جيوسياسي، يظل توقيت إظهار القدرات العسكرية والصورة التي تقدم بها الدول قدراتها عاملا يستحق المتابعة، خصوصا عندما يتعلق الأمر بتجربة تقنية ذات طابع هجومي بعيد المدى.
والخلاصة التي يطرحها التحليل هي أن الخبر الأبرز ليس بالضرورة أن المغرب اختبر صاروخا جديدا، بل أن المملكة باتت تستضيف تجارب عسكرية متقدمة ضمن تعاون أمريكي صناعي وعسكري، وهو تطور قد تكون له انعكاسات أكبر على مسار بناء القدرات الدفاعية المغربية خلال السنوات المقبلة.


