الأكثر مشاهدة

“دقيق الفقراء” في الدار البيضاء.. من الدعم إلى المخابز السرية

لم تعد قضية الدقيق المدعوم في الدار البيضاء مرتبطة بمخبز غير رسمي واحد، بعدما قادت عملية تفتيش إلى اكتشاف كميات مهمة من هذا المنتج، الموجه أساسا لدعم الفئات الاجتماعية الأكثر احتياجا، داخل منشأة كانت تستعمله في إنتاج الخبز وطرحه للبيع.

فقد عثرت أجهزة التفتيش التابعة لوزارة الداخلية على أكياس من الدقيق المدعوم في مخبز غير رسمي بحي الحساني، في واقعة دفعت المحققين إلى توسيع نطاق البحث من المنشأة المكتشفة إلى مسار توزيع الدقيق نفسه.

فالمعطيات الأولية توحي بأن الأمر قد لا يتعلق بمخالفة معزولة، بل باحتمال وجود شبكة تتولى تسريب الدقيق المدعوم من قنواته الأصلية، قبل أن تعيد توجيهه إلى مخابز غير رسمية لأغراض تجارية.

- Ad -

من المستفيد من الدقيق المدعوم؟

هذا النوع من الدقيق لا يطرح في السوق التجارية بالطريقة نفسها التي يطرح بها الدقيق الموجه للمهنيين، إذ يخضع توزيعه لضوابط وكميات محددة، في إطار سياسة تستهدف مساعدة الفئات الاجتماعية الأكثر هشاشة.

ومن هنا تبرز إحدى أهم الأسئلة التي يطرحها التحقيق: كيف انتهت كميات كبيرة من منتج مدعوم حكوميا إلى مخبز يمارس نشاطاً تجاريا خارج الإطار الرسمي؟

وتزداد أهمية السؤال بالنظر إلى المعطيات التي تشير إلى احتمال توزيع عدة أطنان من الدقيق على عدد من المخابز غير الرسمية، مع تحقيق هامش ربح يقدر بنحو 50 سنتيما في الكيلوغرام عند إعادة البيع.

السيناريو المفترض، وفق النتائج الأولية، يكشف عن آلية تحقق أرباحاً لأكثر من طرف.

فالشبكة التي يُشتبه في وقوفها وراء التسريب تستفيد من إعادة بيع الدقيق، بينما تحصل المخابز غير الرسمية على مادة أولية بسعر أقل من تكلفة الدقيق المخصص عادة للمهنيين.

لكن الكلفة الحقيقية للعملية لا تقاس فقط بهامش الربح. فكل كمية من الدقيق المدعوم تخرج من مسارها المقرر تعني، في المقابل، حرمان المستفيدين الذين وجه إليهم الدعم أساساً من جزء من هذه المساعدة.

وتكتسب القضية بعداً مالياً أوسع بالنظر إلى حجم الدعم الذي تخصصه الدولة لهذا القطاع.

ووفق بيانات لوزارة الاقتصاد يتجاوز الدعم السنوي الموجه لهذا الدقيق ملياري درهم، فيما تتحمل الدولة دعما يصل إلى درهمين عن كل كيلوغرام، ضمن حصة تبلغ نحو 6.5 ملايين قنطار من القمح الطري.

هذه الأرقام تجعل أي تسريب واسع النطاق أكثر من مجرد مخالفة تجارية، لأنه يمس آلية دعم عمومية يفترض أن تصل إلى الفئات المحددة لها.

وبعد اكتشاف الدقيق داخل المخبز، يبدو أن السؤال الأساسي لم يعد يقتصر على صاحب المنشأة أو طريقة استعماله للمنتج، وإنما أصبح مرتبطاً بالسلسلة كاملة.

فالكميات التي جرى ضبطها تثير احتمال أن تكون عملية التزويد قد تمت عبر أكثر من حلقة، ما يدفع المحققين إلى البحث عن مصدر الدقيق والجهات التي تولت نقله وتوزيعه، وصولاً إلى تحديد النقطة التي خرج عندها من القنوات الرسمية.

وبذلك، قد تكشف التحقيقات المقبلة ما إذا كان الأمر يتعلق بتجاوز فردي محدود، أم بآلية منظمة أتاحت تسريب أطنان من الدقيق المدعوم إلى سوق غير رسمية.

وفي انتظار اكتمال التحقيقات، تضع القضية ملف الدعم الموجه إلى الفئات الهشة أمام اختبار جديد: هل المشكلة في آخر حلقة من السلسلة، أم أن الخلل يبدأ في مكان أبعد، حيث تتسرب المادة المدعومة قبل أن تصل إلى مستحقيها؟

مقالات ذات صلة