لم تنتظر السلطات الإسبانية وصول 15 غشت لمعرفة ما إذا كانت موجة العبور الجماعي التي شهدتها سبتة في نهاية يوليوز ستتكرر. فبعد أيام من الأزمة التي وضعت المدينة تحت ضغط أمني وإنساني كبير، انتقلت الاستعدادات إلى مستوى أعلى، مع قرار إلغاء إجازات العسكريين المنتشرين في المدينة والإبقاء على مختلف الوحدات في حالة جاهزية.
وكشفت إذاعة «كادينا سير» أن وزارة الدفاع الإسبانية أصدرت تعليمات تقضي بإلغاء الإجازات والتصاريح الممنوحة للعسكريين الموجودين في سبتة، في خطوة احترازية ترمي إلى ضمان توفر القوات وقدرتها على التحرك سريعاً إذا سجلت الحدود محاولة عبور جماعية جديدة.
ولا يعني هذا الإجراء أن محاولة جديدة باتت مؤكدة، لكنه يعكس حجم الحذر الذي باتت تتعامل به السلطات الإسبانية مع التطورات المحيطة بالمدينة، خصوصاً بعد التجربة التي عاشتها في نهاية يوليوز.
15 غشت.. الموعد الذي يثير القلق
في خلفية هذا الاستنفار، تتداول شبكات التواصل الاجتماعي دعوات جديدة للتوجه نحو الحدود ومحاولة الوصول إلى سبتة، مع تحديد يوم 15 غشت موعدا محتملا لتحرك جديد.
وتتعامل السلطات الإسبانية مع هذه الدعوات بحذر، خصوصاً أن المنصات الاجتماعية لعبت دورا في التعبئة التي سبقت موجة العبور السابقة.
غير أن تداول موعد على الإنترنت لا يشكل في حد ذاته دليلاً على وقوع محاولة جديدة، وهو ما يجعل الإجراءات الحالية ذات طابع احترازي بالأساس.
لكن بعد ما حدث في نهاية يوليوز، يبدو أن السلطات لا تريد ترك هامش للمفاجأة.
الدرس الذي خلفته موجة يوليوز
أظهرت الأحداث الأخيرة مدى سرعة تحول الدعوات المتداولة على الإنترنت إلى ضغط فعلي على الحدود.
فخلال الموجة السابقة، توجهت أعداد كبيرة من الأشخاص، وبينهم قاصرون، نحو المنطقة الحدودية في محاولة للوصول إلى سبتة بطرق مختلفة، بما في ذلك العبور براً والسباحة.
وأدى ذلك إلى ضغط كبير على قوات الأمن وعلى مراكز الاستقبال والخدمات الأساسية، بينما وجدت المدينة نفسها أمام تحديات إنسانية وأمنية متزامنة.
ولهذا، فإن إلغاء الإجازات لا يتعلق فقط بحراسة الحدود، وإنما يهدف أيضاً إلى ضمان توفر العدد الكافي من العناصر في حال تزامنت أي محاولة جديدة مع ضغط على المرافق أو احتاجت السلطات إلى تعبئة سريعة.
التصعيد في مستوى الجاهزية لم يقتصر على القوات المسلحة.
ففي خطوة لاحقة، قررت المديرية العامة للحرس المدني أيضا تعليق الإجازات والتصاريح لعناصرها في سبتة ومليلية، بعدما اعتبرت أن خطر محاولة دخول جماعية جديدة يستدعي الحفاظ على أعلى مستوى من الجاهزية. ووفق «كادينا سير»، استند هذا الإجراء إلى تقارير أمنية حذرت من احتمال محاولة جديدة في 15 غشت.
وتشير المعطيات التي نقلتها الإذاعة إلى أن فترة العطل الصيفية أثرت على القدرة العملياتية للحرس المدني، ما دفع إلى اتخاذ إجراءات استثنائية لضمان توفر العناصر عند الحاجة.
وهكذا، تتحول الحدود المحيطة بسبتة إلى نقطة تركيز أمني متزايد مع اقتراب الموعد المتداول.
ما الذي تغير في سبتة بعد الأزمة؟
المسألة لم تعد مرتبطة بالحدود وحدها.
فموجة العبور السابقة خلفت تداعيات مستمرة على المدينة، خصوصاً في ما يتعلق بالقاصرين غير المصحوبين، ومراكز الإيواء، والخدمات الصحية والاجتماعية.
كما خرج آلاف السكان في مظاهرة خلال عطلة نهاية الأسبوع للمطالبة بمزيد من الدعم من الحكومة الإسبانية والاتحاد الأوروبي، وبتعزيز الموارد الأمنية والقدرات المخصصة للتعامل مع تداعيات الهجرة.
وبذلك، فإن أي موجة جديدة لن تبدأ من نقطة الصفر؛ إذ لا تزال المدينة تتعامل مع آثار الموجة السابقة.
جاهزية قصوى دون إعلان عن انتشار استثنائي
ورغم قرار إلغاء الإجازات، لم تعلن وزارة الدفاع الإسبانية، بحسب المعطيات المتاحة، تفاصيل عن حجم القوات التي قد يتم نشرها أو طبيعة المهام التي ستتولاها في حال وقوع محاولة جديدة.
وهذه النقطة مهمة، لأن الإجراء الحالي يعني رفع الجاهزية وتوفير القوى البشرية، وليس بالضرورة إعلان عملية عسكرية أو انتشار جديد واسع داخل المدينة.
أما المعلومات المتعلقة بإلغاء الإجازات فتستند إلى مراسلات داخلية قالت «كادينا سير» إنها اطلعت عليها، وليس إلى إعلان تفصيلي منشور من وزارة الدفاع بشأن عملية محددة.
في الوقت الحالي، تبقى سبتة بين احتمالين: أن تمر الدعوات المتداولة على شبكات التواصل الاجتماعي من دون أن تتحول إلى تحرك فعلي، أو أن تشهد المدينة محاولة جديدة تعيد اختبار قدرات قوات الأمن ومراكز الاستقبال.
لكن ما تغير بوضوح هو طريقة استعداد السلطات الإسبانية.
فبعد موجة العبور السابقة، لم تعد مدريد تنتظر تطور الأحداث قبل التحرك، بل اختارت الاحتفاظ بعناصرها العسكرية والأمنية في حالة جاهزية، بالتوازي مع مراقبة الدعوات المنتشرة عبر المنصات الرقمية.
وبينما يقترب يوم 15 غشت، تظل المعادلة مفتوحة: لا يوجد تأكيد على محاولة جديدة، لكن الاستعداد الإسباني لها أصبح واقعا قائما بالفعل.


