الأكثر مشاهدة

أوروبا تضع ميناءين مغربيين تحت المجهر.. الداخلة والناظور يثيران قلق بروكسل

لم تنتظر بروكسل اكتمال المشاريع المينائية المغربية الكبرى حتى تبدأ في حساب تأثيرها على حركة التجارة البحرية في المنطقة. فقد أظهرت وثيقة حديثة للمفوضية الأوروبية أن ميناءي الناظور غرب المتوسط والداخلة دخلا بالفعل ضمن السيناريوهات التي تدرسها أوروبا لمواجهة احتمال انتقال جزء من عمليات إعادة الشحن من الموانئ الأوروبية إلى مراكز بحرية قريبة من الاتحاد الأوروبي.

وتأتي هذه الخطوة في سياق مراجعة بروكسل لنظام الاتحاد الأوروبي لتجارة الانبعاثات، المعروف بـETS، حيث تحاول المفوضية الحد من إمكانية لجوء شركات الشحن إلى موانئ خارج الاتحاد لتقليص تكلفة الكربون المرتبطة بالرحلات البحرية.

واللافت أن المفوضية لم تتحدث عن وجود مخالفات أو عمليات تحايل من جانب الموانئ المغربية، وإنما أشارت إليها باعتبارها مراكز مستقبلية محتملة قد تغير خريطة حركة إعادة الشحن في المنطقة مع دخولها الخدمة وتطور قدراتها التشغيلية.

- Ad -

الناظور والداخلة يدخلان الحسابات الأوروبية

وضعت المفوضية الأوروبية ميناءي الناظور غرب المتوسط والداخلة إلى جانب ميناء شرشال الجزائري ضمن مجموعة من المراكز البحرية المجاورة التي قد تصبح أكثر جذباً لشركات النقل البحري.

وتكمن أهمية هذه الموانئ في موقعها وقدرتها المستقبلية على استقبال حركة تجارية واسعة، الأمر الذي قد يمنح شركات الشحن خيارات إضافية خارج المجال الأوروبي.

وبالنسبة لبروكسل، فإن المسألة لا تتعلق بالموانئ المغربية في حد ذاتها، وإنما باحتمال تغير مسارات السفن والعمليات التجارية نتيجة الفوارق في تكاليف الكربون بين الموانئ داخل الاتحاد الأوروبي والموانئ القريبة منه.

ولا تبدأ هذه السياسة الأوروبية من الصفر. فقد سبق للاتحاد الأوروبي أن وضع ميناء طنجة المتوسط ضمن آلية تستهدف الحد من عمليات إعادة الشحن التي قد تستخدم لتجنب الالتزامات المرتبطة بنظام تجارة الانبعاثات.

وتقوم القواعد الأوروبية على اعتبار بعض الموانئ القريبة من الاتحاد الأوروبي مراكز محتملة لإعادة توجيه حركة الشحن، وبالتالي إخضاعها لشروط خاصة حتى لا تتحول عمليات الرسو وإعادة الشحن إلى وسيلة للالتفاف على قواعد الكربون الأوروبية.

كما تشمل هذه الآلية ميناء شرق بورسعيد في مصر، في إطار مسعى أوروبي أوسع لمراقبة التحولات في حركة الحاويات بالقرب من حدوده البحرية.

بروكسل تدرس تشديد القواعد

وتتجه المفوضية الأوروبية إلى مراجعة المعايير المعتمدة حالياً لتحديد الموانئ التي يمكن اعتبارها مراكز رئيسية لإعادة الشحن.

ومن بين المقترحات التي تخضع للدراسة خفض النسبة المطلوبة من حركة الحاويات العابرة من 65% إلى 50%، إلى جانب تحديث القائمة الأوروبية بشكل دوري حتى تتمكن من مواكبة ظهور موانئ ومراكز بحرية جديدة.

وهذه النقطة بالذات تكتسب أهمية بالنسبة إلى المغرب، لأن دخول مشاريع مثل الناظور غرب المتوسط والداخلة مرحلة التشغيل الفعلي قد يغير المعطيات التي تعتمد عليها بروكسل حالياً.

لماذا يثير صعود الموانئ المغربية اهتمام أوروبا؟

الرهان هنا يتجاوز المنافسة بين ميناء وآخر. فالاتحاد الأوروبي يخشى أن تؤدي القواعد المناخية الجديدة إلى دفع جزء من النشاط البحري نحو موانئ خارج أراضيه، حيث تكون تكاليف الكربون مختلفة.

وبالتالي، تسعى بروكسل إلى تحقيق معادلة صعبة: تشديد سياستها المناخية من دون إضعاف تنافسية موانئها الأوروبية.

وفي المقابل، يواصل المغرب تطوير بنيته المينائية بهدف تعزيز موقعه كمحور تجاري ولوجستي بين أوروبا وإفريقيا وباقي الأسواق الدولية.

ويأتي مشروع الناظور غرب المتوسط في مقدمة المشاريع التي تراهن عليها المملكة لتعزيز موقعها على الواجهة المتوسطية، بينما يمثل ميناء الداخلة أحد المشاريع الكبرى التي يُنتظر أن تمنح الأقاليم الجنوبية للمغرب موقعاً لوجستياً واستراتيجياً جديداً.

المفارقة اللافتة أن الميناءين المغربيين لا توجد أسماؤهما حاليا ضمن القائمة الأوروبية الخاصة بالمراكز الخاضعة لآلية مكافحة التحايل على نظام الكربون.

ومع ذلك، بدأت بروكسل في التفكير مسبقا في كيفية التعامل معهما إذا أصبحت حركة إعادة الشحن عبرهما ذات حجم مؤثر.

وهذا يعني أن الاهتمام الأوروبي لا يرتبط فقط بما هو قائم اليوم، بل بما يمكن أن تصبح عليه خريطة التجارة البحرية خلال السنوات المقبلة.

فكلما توسعت الموانئ المغربية وارتفعت قدرتها على جذب حركة الحاويات، زادت احتمالية دخولها في الحسابات التنظيمية الأوروبية.

وبينما تنظر بروكسل إلى هذه المشاريع من زاوية حماية تنافسية موانئ الاتحاد الأوروبي ومنع انتقال النشاط البحري بسبب اختلاف تكاليف الكربون، ينظر المغرب إليها باعتبارها جزءا من استراتيجية أوسع لتعزيز موقعه في التجارة الدولية.

ومن طنجة المتوسط إلى الناظور غرب المتوسط، وصولاً إلى الداخلة، تتشكل تدريجيا شبكة من الموانئ المغربية القادرة على لعب أدوار مختلفة في حركة التجارة واللوجستيك.

وبذلك، فإن دخول ميناءي الناظور والداخلة إلى الوثائق التحليلية للمفوضية الأوروبية قبل تشغيلهما الكامل يحمل دلالة واضحة: المغرب لم يعد مجرد نقطة عبور في الحسابات البحرية الأوروبية، بل أصبح تطور بنيته المينائية عاملاً تضعه بروكسل في حساباتها عند رسم مستقبل التجارة والكربون في المنطقة.

مقالات ذات صلة