قد يبدو استمرار استيراد المغرب لبعض الذخائر والمنتجات العسكرية من إسبانيا أمرا متناقضا، خصوصا في ظل فترات التوتر والخلاف السياسي التي طبعت العلاقات بين الرباط ومدريد خلال السنوات الماضية. لكن قراءة طبيعة هذه المقتنيات تكشف أن التجارة الدفاعية لا تسير دائما بالمنطق نفسه الذي تحكمه العلاقات السياسية.
فالمعطيات المتعلقة بالتجارة الإسبانية تظهر استمرار تصدير كميات من الذخائر والمنتجات المصنفة عسكريا إلى المغرب خلال 2026، بقيمة إجمالية بلغت نحو 2.55 مليون يورو بين يناير وماي، فيما وصلت قيمة المنتجات المماثلة خلال الفترة الممتدة من يونيو 2025 إلى ماي 2026 إلى حوالي 4.89 ملايين يورو.
وهنا يطرح السؤال: لماذا يشتري المغرب من إسبانيا في الوقت الذي يستطيع فيه التعامل مع دول أخرى؟
الذخيرة ليست بالضرورة سلاحا حساسا
الجواب يرتبط أولا بطبيعة ما يتم استيراده.
فالحديث عن ذخائر وخراطيش ومكونات مرتبطة بها لا يعني بالضرورة شراء منظومات تسليحية استراتيجية أو أسلحة حساسة يصعب تعويض مصدرها.
وتشير البيانات المذكورة إلى أن الصادرات الإسبانية إلى المغرب خلال الأشهر الأولى من 2026 شملت، من بين أمور أخرى، شحنة من مواد مصنفة ضمن الذخائر العسكرية بلغ وزنها حوالي 4.3 أطنان وقيمتها نحو 1.29 مليون يورو، إلى جانب خراطيش للبنادق ومنتجات أخرى مرتبطة بالذخائر.
وهذه الفئة من المنتجات تختلف جذريا عن اقتناء مقاتلات أو منظومات دفاع جوي أو صواريخ متطورة، لأن المشتري في حالة الذخائر يملك عادة مساحة أكبر لاختيار المورد، شريطة أن تكون المنتجات متوافقة مع الأسلحة الموجودة وتستجيب للمعايير المطلوبة.
بمعنى آخر، المغرب لا يشتري من إسبانيا لأنه مضطر بالضرورة إلى الشراء منها، وإنما يمكن أن تكون الصفقة مرتبطة بالسعر، والتوافر، وسرعة التسليم، والتوافق التقني وشروط التوريد.
لماذا تستفيد إسبانيا أيضا؟
في المقابل، فإن استمرار مدريد في بيع هذه المنتجات للمغرب يخدم مصالحها الاقتصادية والصناعية أيضا.
فالصفقة الدفاعية التجارية ليست “تنازلا” من طرف واحد، بل عملية تجارية يستفيد منها الطرفان: يحصل المشتري على منتج يحتاجه بالشروط التي يقبلها، بينما تحصل الشركة أو الدولة المصدرة على عائدات وتحافظ صناعتها على أسواق خارجية.
وهذا يفسر أيضا لماذا لا تختفي التجارة الدفاعية بالضرورة بمجرد ظهور خلافات سياسية بين دولتين.
وقد شهدت العلاقات المغربية الإسبانية نفسها تحولات كبيرة خلال السنوات الأخيرة، لكنها لم تمنع استمرار قنوات التعاون في مجالات متعددة، من بينها التجارة والصناعة والأمن.
هل يستطيع المغرب تعويض إسبانيا؟
نعم، من حيث المبدأ، وبدرجة أكبر عندما يتعلق الأمر بالذخائر التقليدية.
فالمغرب لا يعتمد في تسليحه على مصدر واحد، بل بنى خلال السنوات الماضية شبكة واسعة من الشراكات الدفاعية مع الولايات المتحدة وفرنسا وإسرائيل وتركيا وغيرها.
وبالتالي فإن توقف مورد إسباني عن توفير فئة معينة من الذخائر لا يعني توقف القدرة المغربية على الحصول عليها، وإنما قد يعني انتقال الطلب إلى مورد آخر يستوفي الشروط التقنية والقانونية المطلوبة.
لكن الأهم أن المغرب بدأ ينتقل تدريجيا من مجرد تنويع الموردين إلى بناء قاعدة صناعية دفاعية داخلية.
المصنع المغربي يغير المعادلة
ومن أبرز التطورات في هذا المجال بروز شركة إم إم آي أمونيشن، التي أعلنت إنتاج ذخائر في المغرب وفق معايير الناتو.
وتوضح الشركة على موقعها الرسمي أنها تصنع في المغرب ذخائر من عيارات تتراوح بين 30 و155 ملم، وأن منتجاتها مطابقة لمعايير الناتو ستاناغ ومعايير الجودة آيزو 9001.
كما أعلنت الشركة أن منشآتها تتجاوز مساحتها 20 ألف متر مربع وتشمل عمليات التصنيع والتجميع والاختبار ومراقبة الجودة.
وتؤكد تقارير منشورة في يونيو 2026 أن المصنع المغربي ينتج بالفعل ذخائر من عيارات 155 ملم و30×173 ملم، مع عدم الكشف رسميا عن هوية جميع زبائنه أو تأكيد أن القوات المسلحة الملكية من بينهم.
وهنا تكمن النقطة الأهم في فهم العلاقة بين الاستيراد والتصنيع المحلي: شراء ذخائر من الخارج اليوم لا يعني أن المغرب يريد الاستمرار في الاعتماد عليها إلى الأبد.
بل يمكن أن يكون الاستيراد جزءا من مرحلة انتقالية، في انتظار توسع القدرة الصناعية المحلية وتغطيتها لعدد أكبر من الاحتياجات.
من تنويع الموردين إلى تقليص الحاجة إليهم
الهدف الواقعي بالنسبة لأي قوة عسكرية ليس بالضرورة تصنيع كل شيء محليا، فهذا أمر مكلف ومعقد حتى بالنسبة للدول الكبرى، وإنما امتلاك القدرة على تأمين المواد الأكثر أهمية وتقليص نقاط الضعف في سلاسل الإمداد.
ومن هذه الزاوية، فإن تطوير صناعة الذخائر داخل المغرب يكتسب أهمية خاصة، لأنه يمنح المملكة خيارا إضافيا إلى جانب الاستيراد.
ومع توسع الصناعة الدفاعية المغربية، يمكن أن تتراجع الحاجة إلى بعض الواردات التقليدية من الخارج، بما فيها الواردات الإسبانية، بينما ستظل المشتريات الخارجية منطقية في المجالات التي تكون فيها المنتجات الأجنبية أكثر تطورا أو أكثر تنافسية.
لذلك، فإن وجود صادرات إسبانية من الذخائر إلى المغرب لا يعني تبعية عسكرية لمدريد، ولا يمثل بالضرورة تناقضا مع الخلافات السياسية بين البلدين.
الأدق هو النظر إليها باعتبارها جزءا من سوق دفاعية تتعامل فيها الدول وفق حسابات متعددة: الحاجة، والسعر، والتوافق، والتوقيت، وتوافر البدائل. ومع صعود الصناعة الدفاعية المغربية، فإن أحد أهم هذه الحسابات بدأ يتغير: المغرب نفسه يتحول تدريجيا من مستورد للذخائر إلى منتج لها أيضا.


