لم يعد البحر بالنسبة إلى بعض الشباب مجرد مساحة تفصل المغرب عن أوروبا، بل تحول في المخيال إلى حد فاصل بين واقع يريدون الهروب منه ومستقبل يتخيلونه أفضل في الجهة الأخرى.
وهنا تكمن المفارقة المؤلمة.
فالشاب الذي ينظر إلى الضفة الشمالية قد لا يرى فيها فقط أجورا أعلى أو خدمات أفضل، وإنما يرى قبل كل شيء إمكانية للعيش بكرامة، والحصول على عمل، وبناء أسرة، وامتلاك منزل، والشعور بأن سنوات شبابه لن تضيع في انتظار فرصة قد لا تأتي.
لذلك، فإن اختزال ظاهرة الهجرة في «حب أوروبا» أو في عدم تقدير الوطن يخطئ جوهر المشكلة.
السؤال الحقيقي ليس: لماذا يريد الشباب الرحيل؟ بل: لماذا أصبح بعضهم لا يرى سببا كافيا للبقاء؟
أوروبا لا تستقبل الجميع.. بل تختار من تحتاج
في المقابل، هناك حقيقة أخرى تستحق النقاش بهدوء.
أوروبا لا تفتح أبوابها أمام الهجرة بالطريقة نفسها للجميع. فهي تحتاج إلى اليد العاملة في قطاعات محددة، وتبحث عن أطباء ومهندسين وتقنيين وممرضين وحرفيين وسائقين وعمال في مهن تعاني خصاصا.
أي أنها لا تستقبل بالضرورة من يملك أكبر حاجة إلى الهجرة، وإنما من يملك المهارات التي تحتاجها سوق العمل الأوروبية.
وهنا تظهر واحدة من أكثر المفارقات قسوة: بلد يستثمر سنوات في تعليم وتكوين أبنائه، ثم يجد جزءا من أفضل موارده البشرية يجد مستقبله في الخارج.
المشكلة ليست في أن يهاجر المغربي بحثا عن فرصة أفضل. الهجرة في حد ذاتها ليست خيانة للوطن، بل حق واختيار شخصي يمكن أن يكون مشروعا وطبيعيا.
المشكلة تبدأ عندما يصبح الخروج هو الخيار الوحيد الذي يبدو معقولا.
لا نريد وطنا يمنع أبناءه من الرحيل
من السهل أن نقول للشباب: «ابقوا هنا وابنوا بلدكم».
لكن هذه الجملة تفقد معناها إذا لم ترافقها فرص حقيقية.
لا يمكن أن نطلب من شاب أن يرفض عرضا للعمل في الخارج، بينما لا يجد في مدينته وظيفة تتناسب مع تكوينه. ولا يمكن أن نطلب من صاحب حرفة صغيرة أن يصمد أمام ارتفاع التكاليف وضعف القدرة الشرائية، ثم نستغرب عندما يفكر في بيع كل شيء والبحث عن بداية جديدة في مكان آخر.
الوطن لا يستعيد أبناءه بالشعارات، وإنما بالفرص
فرصة عمل محترمة.
مشروع قابل للحياة.
إدارة تساعد بدل أن تعرقل.
تعليم يفتح الأبواب بدل أن ينتج الانتظار.
وحماية اجتماعية تجعل المرض والبطالة والتقاعد أقل رعبا.
لكن الدولة ليست وحدها المسؤولة
في المقابل، سيكون من السهل جدا تحميل الدولة كل المسؤولية، وهذا أيضا غير كاف.
هناك معركة أخرى يمكن أن نخوضها كمجتمع، وتبدأ من الطريقة التي ننظر بها إلى العمل البسيط.
كم من شاب أو امرأة يبيعان منتجات محلية في الأسواق والأحياء؟ كم من حرفي صغير يعمل بإمكانات محدودة؟ كم من فلاح أو مربي مواش أو صاحب مشروع منزلي يحاول البقاء في السوق دون أن يجد دعما حقيقيا من محيطه؟
أحيانا لا يحتاج هؤلاء إلى حملة تضامن ضخمة.
يحتاجون فقط إلى زبون مغربي يختار منتوجهم.
أن تشتري العسل من المنتج المحلي، والبيض من الفلاح، والخبز من المخبزة الصغيرة، والملابس من الحرفي، والخدمات من المقاول الشاب، ليست مجرد عملية استهلاك.
إنها، على نطاق صغير، مشاركة في صناعة اقتصاد محلي.
ربما نحتاج أيضا إلى تغيير نظرتنا إلى مساعدة الآخرين.
حين نشتري من شخص يكافح من أجل مشروعه، لا ينبغي أن نشعر أننا نقدم له صدقة. نحن ندفع مقابلا لمنتج أو خدمة، وفي الوقت نفسه نساعد على إبقاء دورة اقتصادية محلية حية.
وهذا الفرق مهم.
لأن المجتمع الذي يجعل النجاح ممكنا لأصحاب المشاريع الصغيرة يقلل تدريجيا من عدد الأشخاص الذين يرون الهجرة الطريق الوحيد للخلاص.
فالمغرب لا يحتاج فقط إلى مشاريع عملاقة واستثمارات بمليارات الدراهم، رغم أهميتها، بل يحتاج أيضا إلى اقتصاد يومي قوي يعيش منه ملايين الأشخاص.
لا يمكن بناء المستقبل بالخوف من البحر
الهدف في النهاية ليس إقناع الشباب بأن أوروبا ليست جميلة، أو أن الحياة هناك سهلة كما يتخيلون.
ولا ينبغي أن نبيعهم وهما معاكسا بالقول إن كل شيء مثالي داخل المغرب.
الحقيقة أكثر تعقيدا.
هناك مغاربة نجحوا في الخارج، وهناك آخرون وجدوا أنفسهم أمام الوحدة والاغتراب والعمل الشاق. وهناك أيضا شباب بنوا مشاريع ناجحة داخل المغرب، وآخرون لم يجدوا بعد الفرصة التي يبحثون عنها.
لذلك، لا نحتاج إلى حرب بين «هنا» و«هناك».
ما نحتاجه هو أن يصبح البقاء خيارا محترما، لا عقوبة.
وأن تصبح الهجرة قرارا شخصيا لمن يريد اكتشاف العالم، لا محاولة يائسة للهروب من المستقبل.
الوطن الذي نريده لا يبنى بالكلمات
ربما لا توجد وصفة سحرية لوقف الهجرة، ولا ينبغي أصلا أن يكون الهدف هو منع الناس من السفر.
لكن يمكن أن نجعل آلاف الشباب يفكرون بطريقة مختلفة: ماذا لو كان بإمكاني أن أنجح هنا؟ ماذا لو كان مشروعي الصغير قابلا للنمو؟ ماذا لو كان راتبي يكفيني للعيش بكرامة؟ ماذا لو وجدت في مدينتي مستقبلا يستحق الانتظار؟
عندها فقط يبدأ معنى جديد للوطن.
فالوطن ليس المكان الذي يمنعك من الرحيل، وإنما المكان الذي يمنحك سببا حقيقيا للبقاء.
والطريق إلى ذلك لا يمر فقط عبر قرارات الحكومة، بل عبر المدرسة والإدارة والمقاولة والأسرة والمجتمع والمستهلك أيضا.
أما البحر، فينبغي ألا يكون لا «فردوسا» ولا «سجنا».
يجب أن يبقى مجرد بحر.
والفارق بين ذلك وبين أن يتحول إلى طريق للموت، هو أن يشعر الشاب في الضفة الجنوبية بأن حياته يمكن أن تبدأ هنا أيضا.


