في خطوة غير مسبوقة تعكس تحولا لافتا في مقاربة الجزائر لتحركاتها العسكرية خارج الحدود، أقدمت السلطات الجزائرية على إرسال أربع مقاتلات من طراز “سو-30” إلى النيجر، في عملية لم تمر مرور الكرام بالنظر إلى توقيتها ورسائلها السياسية والاستراتيجية.
فالتحرك الذي جاء عقب محاولة لزعزعة استقرار النظام في نيامي، لا يبدو مجرد استجابة عسكرية طارئة لطلب السلطات النيجرية، بل يحمل أبعادًا أوسع مرتبطة بإعادة تموضع الجزائر داخل منطقة الساحل، في وقت يشهد فيه النفوذ المغربي توسعًا متزايدًا في عدد من دول المنطقة.
أربع مقاتلات ورسالة تتجاوز الحدود
غادرت أربع طائرات مقاتلة جزائرية من طراز “سوخوي سو-30” نحو العاصمة النيجرية نيامي، مرفوقة بطائرة نقل عسكري من نوع “إليوشن إيل-76″، إضافة إلى طائرة للتزود بالوقود من طراز “إيل-78”.
وجاء هذا الانتشار، بحسب بيان صادر عن وزارة الدفاع الجزائرية، استجابة لطلب تقدمت به السلطات في النيجر من أجل دعم الجيش النيجري، وذلك مباشرة بعد الأحداث التي شهدتها البلاد في 30 غشت.
ورغم أن المقاتلات الجزائرية لم تدخل في أي مواجهة عسكرية، بعدما تمكنت القوات النيجرية من إنهاء التمرد قبل وصولها، فإن حجم العملية والطريقة التي تم الإعلان عنها بها منحا التحرك بعدًا سياسيًا أكبر من مجرد مهمة عسكرية ظرفية.
ووصف الرئيس النيجري عبد الرحمن تياني قرار إرسال المقاتلات بأنه “تاريخي”، في إشادة تعكس الأهمية التي أرادت الجزائر والنيجر إضفاءها على هذه الخطوة.
تحول في العقيدة العسكرية الجزائرية
لطالما ارتبطت العقيدة العسكرية الجزائرية بمبدأ عدم التدخل العسكري خارج الحدود، غير أن التطورات الأخيرة تشير إلى بداية مرحلة مختلفة.
فالتعديل الدستوري الذي أقرته الجزائر سنة 2020 فتح الباب، من الناحية القانونية، أمام إمكانية إرسال قوات الجيش إلى الخارج، بعدما كان هذا الخيار شبه مستبعد لعقود طويلة.
ويبدو أن عملية النيجر تمثل أحد أبرز الاختبارات العملية لهذا التوجه الجديد، إذ تسعى الجزائر إلى إظهار قدرتها على التحرك العسكري المباشر عندما ترى أن مصالحها الاستراتيجية في المنطقة مهددة.
غير أن هذا الانتشار أثار في المقابل نقاشًا داخليًا بشأن احترام المساطر الدستورية، خاصة أن إرسال قوات عسكرية إلى الخارج يفترض، وفق المادة 91 من الدستور الجزائري، الحصول على موافقة أغلبية ثلثي أعضاء غرفتي البرلمان.
وبحسب معطيات متداولة، لم يسبق عملية إرسال المقاتلات إلى النيجر نقاش برلماني معلن، ما يفتح الباب أمام تساؤلات بشأن الإطار القانوني الذي تم في ظله هذا التحرك.
بعيدًا عن الجانب العسكري، تكشف العملية عن احتدام المنافسة على النفوذ داخل منطقة الساحل الإفريقي.
فالجزائر التي كانت لسنوات أحد أبرز اللاعبين في المنطقة، وجدت نفسها خلال الفترة الأخيرة أمام تراجع ملحوظ في علاقاتها مع عدد من دول الساحل، خصوصًا مالي.
وقد تصاعد التوتر بين الجزائر وبعض دول تحالف الساحل بعد حادث إسقاط طائرة مسيرة مالية سنة 2025، وهي الأزمة التي دفعت مالي والنيجر وبوركينا فاسو إلى اتخاذ خطوات دبلوماسية ضد الجزائر.
في المقابل، عزز المغرب حضوره في المنطقة من خلال توسيع شراكاته الاقتصادية والدبلوماسية والعسكرية، إلى جانب مبادرته الرامية إلى توفير منفذ لدول الساحل على المحيط الأطلسي.
كما شهد التعاون المغربي مع بعض دول المنطقة تطورًا على المستوى العسكري والتكويني، الأمر الذي جعل منطقة الساحل تتحول تدريجيًا إلى إحدى ساحات التنافس غير المباشر بين الرباط والجزائر.
لا ترتبط أهمية النيجر بالنسبة للجزائر بالاعتبارات الأمنية وحدها، إذ تمثل البلاد نقطة استراتيجية في عدد من المشاريع الاقتصادية الكبرى.
وتراهن الجزائر على مشروع خط أنابيب الغاز العابر للصحراء، الذي يهدف إلى نقل الغاز النيجيري عبر النيجر وصولًا إلى الأراضي الجزائرية ومنها إلى الأسواق الدولية.
ويأتي هذا المشروع في سياق تنافس مباشر مع مشروع أنبوب الغاز الإفريقي الأطلسي الذي يجمع المغرب ونيجيريا، والذي يحظى بدوره باهتمام دولي متزايد.
ومن هذا المنطلق، يصبح استقرار النيجر قضية استراتيجية بالنسبة للجزائر، وهو ما يفسر سرعة تحركها عقب الأحداث الأخيرة، إذ لا يتعلق الأمر فقط بحماية حليف إقليمي، بل أيضًا بالدفاع عن مصالح اقتصادية وجيوسياسية مرتبطة بمستقبل الطاقة في المنطقة.
يرى مراقبون أن إرسال المقاتلات إلى نيامي يحمل رسالة واضحة مفادها أن الجزائر لم تعد ترغب في الاكتفاء بالمراقبة من خلف حدودها الجنوبية.
فالعملية تشكل محاولة لإعادة فرض الحضور الجزائري في منطقة شهدت خلال السنوات الأخيرة تحولات سياسية وعسكرية عميقة، وتراجعًا نسبيًا للدور التقليدي الذي كانت تلعبه الجزائر.
وفي الوقت ذاته، تكشف الخطوة عن إدراك جزائري بأن معركة النفوذ في الساحل لم تعد تدار فقط عبر الوساطة السياسية أو العلاقات الدبلوماسية، بل أصبحت تشمل التعاون العسكري والمشاريع الاقتصادية وممرات الطاقة والبنية التحتية.
وبينما أرادت الجزائر من خلال تحركها في النيجر التأكيد على استعدادها لحماية مصالحها وحلفائها خارج الحدود، فإن الرسالة الأوسع تبدو موجهة إلى منطقة الساحل بأكملها.
فالمنافسة على النفوذ الإفريقي تدخل مرحلة جديدة، والمغرب يواصل تعزيز حضوره الاقتصادي والدبلوماسي، فيما تبدو الجزائر عازمة على تغيير قواعد لعبتها التقليدية لاستعادة موقع فقدت جزءًا منه خلال السنوات الأخيرة.
وهكذا، لم يكن إرسال أربع مقاتلات إلى نيامي مجرد عملية عسكرية عابرة، بل خطوة تحمل في أجنحتها مؤشرات على مرحلة جديدة من الصراع الجيوسياسي في منطقة الساحل، حيث تختلط الحسابات الأمنية بمصالح الطاقة، وتتقاطع المشاريع الاقتصادية مع سباق النفوذ بين القوى الإقليمية.


