الأكثر مشاهدة

وثائق تاريخية تكشف.. حينما عرضت إسبانيا منح سبتة ومليلية وشمال المغرب وجزر الكناري لإيطاليا

كشفت صحيفة “إل ديباتي” الإسبانية تفاصيل واحدة من أكثر الخطط الدبلوماسية غرابة خلال الحرب الأهلية الإسبانية، عندما حاولت حكومة الجمهورية في ثلاثينيات القرن الماضي دفع إيطاليا الفاشية إلى سحب دعمها للجنرال فرانكو، عبر طرح أراض للتفاوض، بينها سبتة ومليلية المحتلتين وباقي المنطقة الخاضعة للحماية الإسبانية في المغرب.

وتعود القصة إلى سنة 1937، عندما كانت حكومة فرانسيسكو لارغو كاباييرو، المنتمي إلى الحزب الاشتراكي العمالي الإسباني، تبحث عن مخرج دبلوماسي من حرب كانت موازينها تميل تدريجيا لمصلحة معسكر فرانكو، في ظل الدعم العسكري الألماني والإيطالي له، مقابل مساعدة سوفييتية محدودة، وامتناع القوى الديمقراطية الأوروبية عن التدخل المباشر.

عرض إسباني مقابل انسحاب موسوليني

بحسب التقرير الإسباني، كلف السفير الجمهوري في باريس لويس أراكيستاين، وهو من المقربين من لارغو كاباييرو داخل الحزب الاشتراكي، بالبحث عن قنوات للتفاوض مع ممثلين عن حكومة موسوليني الفاشية.

- Ad -

وكان العرض الذي حمله الجانب الإسباني لافتا: إمكانية تقديم المنطقة الإسبانية في المغرب، بما فيها سبتة ومليلية، كورقة تفاوضية مقابل ابتعاد إيطاليا عن الحرب الإسبانية.

ووصف أراكيستاين الفكرة في تقريره بأنها مناورة ذكية، لكن الجانب الإيطالي لم يبد اهتماما كافيا بهذا العرض وحده.

فالمطلب الذي طرحه الطرف الإيطالي كان أكبر بكثير: جزر البليار.

موسوليني يريد جزر البليار

بحسب رواية “إل ديباتي”، عندما طرحت جزر البليار على طاولة النقاش، رد الجانب الإسباني بأن التنازل عنها يواجه عقبتين كبيرتين.

الأولى أن الجزر، وفق الطرح الإسباني، لن تكون قادرة على استيعاب نحو 100 ألف إيطالي دفعة واحدة، فضلا عن احتمال رفض السكان المحليين. أما الثانية فتتعلق بالموقف المتوقع لبريطانيا وفرنسا، اللتين كانتا ستعارضان بشدة تنازلا إسبانيا بهذا الحجم.

واقترح الجانب الإسباني بدلا من ذلك العودة إلى خيار المغرب الإسباني، باعتباره منطقة يمكن أن تكون محل تفاوض.

لكن الرد الإيطالي كان واضحا: الحكومة الإيطالية، وفقا للتقرير، كانت قد درست بالفعل إمكانية شراء مساحات زراعية واسعة في جزر البليار نقدا، وتوطين مهاجرين إيطاليين فيها، على غرار ما فعلته إيطاليا في تونس.

كما اعتبر الجانب الإيطالي أن المغرب الإسباني أكثر تعقيدا بسبب موقعه الجغرافي وقربه من الأراضي الخاضعة للنفوذ الفرنسي، بينما توفر جزر البليار، في نظره، موقعا أكثر بعدا عن تلك التعقيدات.

عملية شولمايستر.. خطة يائسة لقلب موازين الحرب

لم تكن هذه الاتصالات حالة معزولة، بل جاءت ضمن ما عرف باسم عملية شولمايستر التي أطلقتها حكومة الجمهورية سنة 1937 في محاولة لكسر الدعم الألماني والإيطالي لمعسكر فرانكو.

ووفقا للمعطيات التي أوردها التقرير، بدأت مدريد أولا بمحاولة استمالة بريطانيا وفرنسا، من خلال عرض المغرب الإسباني أو السماح بإقامة قواعد عسكرية في جزر البليار.

لكن الرد البريطاني والفرنسي ظل غامضا، فيما أشار أراكيستاين إلى أن عرض المغرب لم يبد أنه جذب اهتماما كبيرا لدى الطرفين.

بعد ذلك، انتقلت الخطة إلى مرحلة أكثر خطورة، تمثلت في فتح قنوات مع الخصمين المباشرين للجمهورية، أي ألمانيا وإيطاليا.

وهنا لم يعد المغرب الإسباني وحده مطروحا، بل دخلت جزر البليار وجزر الكناري أيضا ضمن الحسابات الدبلوماسية.

ويشير التقرير إلى أن هذه المقترحات أثارت لاحقا انتقادات داخل المعسكر الجمهوري نفسه، باعتبار أن بعض المسؤولين تعاملوا مع هذه الأراضي وكأنها مستعمرات يمكن التصرف فيها، وليس أجزاء من الدولة الإسبانية.

مفاوضات سرية في مدن أوروبية

بين يناير وأبريل من سنة 1937، جرت لقاءات بين عملاء وممثلين عن أطراف متحاربة في عدد من المدن الأوروبية، من بينها موناكو وبروكسل وستراسبورغ وستوكهولم ولندن.

لكن المفاوضات لم تصل إلى نتيجة.

وكان الموقف البريطاني أحد أبرز أسباب تعثرها، إذ رفضت لندن بشكل حازم أي تنازل عن أراض إسبانية.

وخلال سنوات الحرب الأهلية، تشاور البريطانيون مع الحكومة الإيطالية نحو 20 مرة بشأن المطامح الإقليمية المحتملة في غرب المتوسط، وكان الرد الإيطالي، بحسب التقرير، يتمثل في التأكيد على عدم الرغبة في تغيير الوضع القائم في المنطقة، وعدم السعي للحصول على المغرب الإسباني أو جزر البليار.

أما الادعاء بعدم وجود تفاهم مع فرانكو بشأن هذه الأراضي، فقد كان الجزء الوحيد غير الصحيح من تلك التصريحات، بحسب التقرير الإسباني.

اتفاق بريطاني إيطالي أنهى الأزمة

وفي 16 أبريل 1938، وقعت بريطانيا وإيطاليا ما عرف بـ”اتفاقات الفصح”، والتي ساهمت في إنهاء الخلاف بين البلدين.

ونص الاتفاق على انسحاب القوات الإيطالية من إسبانيا بحلول أكتوبر، مقابل اعتراف بريطانيا بالسيطرة الإيطالية على الحبشة.

وفي الجانب المتعلق بالطموحات الإقليمية، قدم وزير الخارجية الإيطالي غالياتسو تشانو تأكيدا مكتوبا بأن بلاده لا تسعى إلى أهداف إقليمية أو سياسية في إسبانيا، ولا إلى امتياز اقتصادي خاص في جزر البليار أو باقي الممتلكات الإسبانية الخارجية أو المنطقة الإسبانية في المغرب، كما تعهد بعدم الإبقاء على قوات إيطالية فيها.

نيغرين يعرض قواعد بحرية على بريطانيا

القصة لم تتوقف عند تلك المحاولات.

ففي مايو 1937 تولى خوان نيغرين، المنتمي أيضا إلى الحزب الاشتراكي العمالي الإسباني والقادم من جزر الكناري، رئاسة الحكومة الجمهورية، وواصل محاولة دفع بريطانيا إلى التدخل لصالح الجمهورية.

وفي فبراير 1938، قدم وزير الدفاع إنداليسيو برييتو عرضا بريطانيا يتضمن قاعدتين بحريتين استراتيجيتين كانتا لا تزالان تحت سيطرة الجمهورية: قرطاجنة وماهون.

ويقول التقرير إن هذا العرض ظهر في وثائق وزارة الخارجية البريطانية، كما أورده الضابط الجمهوري ألبرتو بايو في مذكراته، حيث انتقد بشدة خطوة برييتو معتبرا أنه حاول، بحسب روايته، “تسليم إسبانيا”.

لكن لندن لم ترد على العرض.

وهكذا انتهت واحدة من آخر المناورات الدبلوماسية اليائسة للجمهورية الإسبانية، بعدما حاولت استخدام أراض وموانئ وقواعد استراتيجية كورقة تفاوضية لوقف التدخل الخارجي في الحرب، من دون أن تنجح في تغيير مسار الصراع.

وتؤكد أبحاث المؤرخ مانويل أغيليرا بوفيدانو أن عملية شولمايستر تضمنت بالفعل مقترحات تتعلق بالمغرب الإسباني وجزر البليار والكناري، وأنها كانت جزءا من مساع جمهورية لإبعاد هتلر وموسوليني عن دعم معسكر فرانكو.

مقالات ذات صلة