وثيقة سرية تكشف موقفا مفاجئا لخوان كارلوس الأول: التخلي عن مليلية وتدويل سبتة خوفا من “مسيرة خضراء” جديدة

بعد نحو ثلاثة عقود من الانتظار، أنهت زيارة الملك الإسباني السابق خوان كارلوس الأول والملكة صوفيا إلى سبتة ومليلية سنة 2007 إحدى أكثر الملفات حساسية في العلاقة بين إسبانيا والمغرب. غير أن تفاصيل تعود إلى أواخر سبعينيات القرن الماضي تكشف أن مستقبل المدينتين كان موضوعا لنقاشات بالغة الحساسية داخل أعلى دوائر القرار الإسباني.

ففي سنة 1979، وبعد أربع سنوات فقط من وفاة الديكتاتور فرانثيسكو فرانكو، استقبل خوان كارلوس الأول في قصر زارزويلا السيناتور الأمريكي إد موسكي، الذي كان مبعوثا شخصيا للرئيس الأمريكي آنذاك جيمي كارتر، في جولة أوروبية هدفت إلى استقراء مواقف القيادات الأوروبية بصورة غير معلنة.

وبحسب ما أورده المؤرخ تشارلز باول في كتابه “خوان كارلوس الأول.. ملك من أجل الديمقراطية” الصادر عن دار بلانيتا، فإن اللقاء استمر لأكثر من ساعة ونصف، وتطرق إلى مستقبل العلاقات بين إسبانيا والمغرب، وخاصة وضع سبتة ومليلية.

- Ad -

ووفقا للرواية التي يستند إليها الكتاب، طرح خوان كارلوس الأول أمام موسكي والسفير الأمريكي في مدريد تيرينس تودمان إمكانية التخلي عن مليلية للمغرب ووضع سبتة تحت إدارة دولية.

وكان المقترح المتعلق بسبتة يشبه، من حيث المبدأ، النموذج الذي عرفته طنجة، التي خضعت لنظام دولي بين عامي 1923 و1956، بمشاركة لجنة ضمت عددا من الدول الأوروبية، بينها إسبانيا، قبل أن تعود المدينة إلى السيادة المغربية عقب استقلال المملكة.

برقية أمريكية سرية

لم تقتصر هذه المعطيات على رواية تاريخية لاحقة، إذ وردت تفاصيل اللقاء في برقية سرية أرسلتها البعثة الدبلوماسية الأمريكية في مدريد إلى وزارة الخارجية الأمريكية.

وقد رفعت السرية عن البرقية سنة 2014، وتضمنت خلاصة ما دار خلال اللقاء. وبحسب الوثيقة، اعتبر خوان كارلوس الأول أن “القضية الكبرى بين إسبانيا والمغرب هي المدينتان”.

وأشارت البرقية إلى أن الملك كان يرى إمكانية التخلي عن مليلية خلال فترة قصيرة نسبيا، مستندا إلى أن عدد الإسبان المقيمين فيها آنذاك كان يقارب 10 آلاف شخص.

لكن الملك كان يدرك أن مثل هذه الخطوة ستثير غضب المؤسسة العسكرية الإسبانية، التي كان يتوقع منها الاحتجاج، مع إبدائه ثقته بقدرته على احتواء رد الفعل، وتقديره أن حالة الغضب داخل الجيش قد تستمر نحو شهرين.

أما سبتة، فكانت أكثر تعقيدا في حساباته. فقد كان عدد الإسبان المقيمين فيها سنة 1979 يقارب 60 ألف شخص، مقارنة بنحو 85 ألفا حاليا، وهو ما جعل التخلي عن المدينة، بحسب التقديرات المنسوبة إليه، أكثر صعوبة بسبب حجم السكان الذين كان يفترض أن يتقبلوا تغييرا مفاجئا في السيادة.

لهذا السبب، ظهر خيار الإدارة أو الحماية الدولية لسبتة باعتباره حلا أكثر قابلية للنقاش، على غرار الوضع الذي عرفته طنجة خلال الفترة الممتدة من 1923 إلى 1956.

هاجس مسيرة خضراء جديدة

أبرز ما تكشفه الوثيقة، وفق المصدر نفسه، هو القلق الإسباني من احتمال انتقال تجربة المسيرة الخضراء إلى سبتة.

فبعد نجاح المسيرة الخضراء التي نظمها المغرب في نوفمبر 1975 نحو الصحراء المغربية، والتي كانت آنذاك تحت الإدارة الإسبانية، كان خوان كارلوس الأول يخشى من إمكانية قيام الملك الحسن الثاني بخطوة مماثلة تجاه سبتة.

وتشير البرقية إلى أن الملك الإسباني كان يخشى، في حال عدم التوصل إلى حل، من مسيرة خضراء جديدة يمكن أن تتسبب في مشاكل خطيرة.

وكانت أجواء اللقاء بعيدة عن الرسمية المشددة، إذ وصف خوان كارلوس الأول نفسه بأنه سيتحدث مع ضيفه بصراحة وانفتاح، مستفيدا من كون الاجتماع سريا. وكان السفير الأمريكي تيرينس تودمان حاضرا أيضا خلال المحادثات.

ورغم هذه الحسابات، احتاج الأمر إلى 28 عاما أخرى قبل أن يزور خوان كارلوس الأول سبتة ومليلية رسميا.

وخلال تلك الفترة، مرت العلاقات المغربية الإسبانية بمحطات من التقارب والتوتر، قبل أن يقوم الملك السابق بالزيارة سنة 2007، في خطوة حملت دلالات سياسية ودبلوماسية كبيرة.

وقال رئيس الحكومة الإسبانية الأسبق خوسيه لويس رودريغيث ثاباتيرو لاحقا إن خوان كارلوس الأول أخبره بأنه لا يريد إنهاء عهده من دون زيارة المدينتين.

كما لعب وزير الخارجية الإسباني آنذاك، ميغيل أنخيل موراتينوس، دورا في الدفع نحو تحقيق الزيارة، التي اعتبرها تحقيقا لرغبة قديمة لدى الملك.

ولم يقض الملك والملكة صوفيا الليل في أي من المدينتين خلال تلك الرحلة، إذ توقفا للمبيت في مالقة بين الزيارتين، في ظل الحساسية الدبلوماسية الكبيرة التي أحاطت بالخطوة.

صوفيا و”نبوءة” بشأن المغرب

وتحدثت الملكة صوفيا لاحقا للصحفية بيلار أوربانو عن أجواء الزيارة، مشيرة إلى أن سكان سبتة ومليلية استقبلوا الملكين بحماس كبير، وكانوا متعطشين للتعبير عن هويتهم الإسبانية.

كما نقلت أوربانو عن صوفيا توقعها بأن يستمر المغرب في إثارة ملف المدينتين، معتبرة أن الملك محمد السادس، مثل والده الحسن الثاني، سيواصل من حين لآخر المطالبة والاحتجاج حتى تبقى القضية حاضرة.

وتكشف هذه الرواية، التي أعيد تسليط الضوء عليها بعد سنوات، عن حجم الحساسية التي طبعت ملف سبتة ومليلية داخل إسبانيا، وعن أن مستقبل المدينتين كان موضوعا لسيناريوهات متعددة في مرحلة سياسية شديدة التعقيد أعقبت نهاية حكم فرانكو.

الأكثر مشاهدة