كشفت تقارير صحفية إسبانية عن معطيات مثيرة للجدل بشأن التحقيقات المرتبطة بعمليات العبور الجماعي نحو مدينة سبتة، بعدما تحدثت مصادر من داخل الحرس المدني الإسباني عن صدور تعليمات بحذف كل الإشارات المتعلقة بالمغرب من تقرير كان موجها إلى القضاء.
وتأتي هذه التطورات في وقت لا تزال فيه السلطات القضائية الإسبانية تحقق في ملابسات أحداث 30 و31 يوليو، التي شهدت، وفق المعطيات المتداولة، عمليات عبور جماعية واسعة باتجاه سبتة.
اتهامات بتغيير مضمون التقرير
بحسب ما أوردته صحيفة “إل إسبانيول”، فإن جنرالا مسؤولا عن جهاز المخابرات داخل الحرس المدني الإسباني طلب من الفريق المكلف بالتحقيق عدم تضمين التقرير النهائي عناصر قد تقود إلى اتهام المغرب بالضلوع في تنظيم عمليات العبور.
وتقول مصادر من داخل الوحدة التي اشتغلت على الملف إن النسخة الأولية من التحقيق تضمنت معطيات وصورًا التقطتها كاميرات المراقبة، يُعتقد أنها أظهرت وجود عناصر أمنية مغربية بالقرب من المهاجرين خلال عمليات العبور.
غير أن هذه الإشارات، بحسب المصادر نفسها، لم تظهر في التقرير النهائي الذي تم تقديمه إلى المحكمة.
أحد أكثر التفاصيل إثارة في القضية يتعلق بحجم التقرير النهائي، الذي اقتصر، وفق الصحيفة الإسبانية، على خمس صفحات فقط، بعد أن كان العمل التحضيري يتضمن معطيات أوسع حول الأحداث.
كما تحدثت المصادر عن تجاهل معلومات أمنية وردت قبل أيام من وقوع الأحداث، كانت تشير إلى احتمال وقوع عملية دخول جماعي نحو سبتة.
وتزعم المصادر الداخلية أن الفريق المكلف بالتحقيق تلقى لاحقًا توجيهات جديدة أعادت رسم طبيعة التقرير ومضمونه.
خلاف بين الأجهزة الأمنية الإسبانية
تكشف هذه القضية عن اختلاف واضح بين الروايات الصادرة عن المؤسسات الأمنية الإسبانية.
ففي الوقت الذي قدمت فيه الشرطة الوطنية تقريرا للقضاء تضمن مزاعم حول وجود دور لعناصر مغربية في توجيه المهاجرين، يبدو أن تقرير الحرس المدني اتخذ مسارًا مختلفًا ولم يتضمن الاتهامات نفسها.
هذا التباين خلق جدلا داخل إسبانيا، خصوصا أن الحكومة الإسبانية كانت قد نفت وجود أدلة رسمية تثبت أن السلطات المغربية خططت أو نظمت عملية العبور الجماعي.
لكن رئيس الحكومة الإسبانية بيدرو سانشيز أقر، بحسب المعطيات المتداولة، بأن القوات المغربية لم تمنع عمليات العبور خلال فترة استمرت نحو عشر ساعات قبل استعادة السيطرة على الوضع.
الأكثر حساسية في هذه القضية هو حديث المصادر التي نقلت عنها الصحيفة الإسبانية عن احتمال وجود “تعليمات سياسية” وراء تعديل مضمون التقرير.
ولم يتم تحديد الجهة التي يُفترض أنها أصدرت هذه التعليمات، كما لم تصدر، وفق المعطيات الواردة، تأكيدات رسمية تثبت هذه المزاعم.
غير أن مجرد الحديث عن تدخل سياسي محتمل في صياغة تقرير أمني موجه إلى القضاء يفتح الباب أمام تساؤلات كبيرة حول استقلالية التحقيقات وطبيعة العلاقة بين الأجهزة الأمنية والسلطة السياسية في التعامل مع ملف شديد الحساسية مثل قضية سبتة.
في خضم هذا الجدل، تواصل القاضية الإسبانية ماريا تاردون تحقيقاتها من أجل تحديد ما جرى بالضبط خلال يومي 30 و31 يوليو، والوقوف على ظروف عمليات العبور الجماعي.
ولا يتعلق التحقيق فقط بعدد الأشخاص الذين تمكنوا من الوصول إلى سبتة، بل يمتد إلى البحث في خلفيات الأحداث، ومعرفة ما إذا كانت العملية عفوية أم منظمة، ومن يقف وراء أي تقصير محتمل في مراقبة الحدود.
ومع ظهور تقارير متناقضة بين الشرطة الوطنية والحرس المدني، قد تتحول الطريقة التي أعدت بها هذه الوثائق نفسها إلى جزء من التحقيق القضائي.
وبين اتهامات بحذف معلومات حساسة، وتقارير أمنية متضاربة، ونفي حكومي لأي تورط مغربي مباشر، يبدو أن ملف أحداث سبتة لم يعد مجرد قضية هجرة وحدود، بل تحول إلى أزمة سياسية وأمنية داخل إسبانيا نفسها.


