هناك ملفات لا تحسمها الانتخابات، مهما حاول السياسيون تأجيلها. وملف سبتة ومليلية المحتلتين واحد من أكثر الملفات التي تكشف الفارق بين ما تقوله السياسة وما تفرضه الجغرافيا والاقتصاد.
من منظور مغربي، لا يتعلق الأمر فقط بحدود مرسومة منذ قرون، وإنما بمدينتين توجدان جغرافيا داخل المجال المغربي، ولا تملكان عمقا اقتصاديا طبيعيا خارج محيطهما المغربي.
وهنا تكمن المفارقة: كلما حاولت إسبانيا بناء نموذج مستقل لسبتة ومليلية، اصطدمت بمحدودية المساحة والسوق والموارد، وبحقيقة أن المغرب هو الجار المباشر والعمق الاقتصادي والاجتماعي للمدينتين.
اقتصاد فقد جزءا من وظيفته القديمة
كانت سبتة ومليلية تستفيدان لسنوات طويلة من حركة تجارية كثيفة مرتبطة بالحدود المغربية. وقد وصفت الصحافة الإسبانية نفسها تأثير إنهاء ما كان يسمى “التجارة غير النمطية” بأنه ضربة اقتصادية قوية للمنطقة.
ففي سبتة، أشارت تقارير إلى أن بضائع بقيمة تقارب 500 مليون يورو كانت تدخل المغرب سنة 2018 ضمن ذلك النشاط، فيما كان الاقتصاد المحلي يعتمد بدرجة كبيرة على حركة العبور والتجارة المرتبطة بها.
وعندما تغيرت قواعد اللعبة، ظهر حجم الاعتماد الحقيقي. لم يعد بإمكان المدينة الاتكاء على النموذج السابق، وأصبح عليها البحث عن بدائل في مساحة جغرافية محدودة للغاية.
أرقام البطالة تكشف المشكلة
لا تحتاج هشاشة النموذج الاقتصادي إلى مبالغات. أرقام الاتحاد الأوروبي تكفي.
ففي 2023 سجلت سبتة معدل بطالة بلغ 30%، مقابل 26.6% في مليلية، وهما أعلى معدلين على مستوى أقاليم الاتحاد الأوروبي في ذلك العام. كما تجاوزت البطالة طويلة الأمد 15% في المدينتين.
وفي المقابل، تقول سلطات سبتة إن ميزانية المدينة لسنة 2026 تقارب 424 مليون يورو، بينما أقرت السلطات نفسها بأن ميزانية المدينة تمثل نحو نصف الناتج المحلي الإجمالي.
هذه ليست صورة اقتصاد منهار، لكنها بالتأكيد ليست صورة نموذج اقتصادي مستقل قادر على الاستغناء عن الدعم والتمويل العمومي.
السياسة تستطيع تأجيل المشكلة.. لكنها لا تستطيع إلغاء الجغرافيا
هنا تظهر مسؤولية السياسيين.
قد يكون من الأسهل انتخابيا رفع شعار “سبتة إسبانية” و”مليلية إسبانية”، لأن الاعتراف بأن المدينتين مرتبطتان اقتصاديا وجغرافيا بالمغرب يفتح نقاشا سياسيا شديد الحساسية.
لكن الشعارات لا تخلق المصانع، ولا توسع مساحة المدينتين، ولا تمنح شبابهما سوقا جديدا، ولا تلغي الحاجة إلى التمويل العمومي.
والأخطر أن استمرار الوضع الحالي قد يحول القضية من نزاع سيادي إلى مشكلة اقتصادية واجتماعية متراكمة.
المغرب ليس مجرد جار
المعادلة التي يصعب تجاهلها هي أن المغرب يمثل العمق الجغرافي المباشر للمدينتين.
حتى الاتحاد الأوروبي يعترف بوضع خاص لسبتة ومليلية، إذ إنهما لا تدخلان ضمن الإقليم الجمركي للاتحاد الأوروبي، رغم ترتيبات تجارية خاصة تربطهما به.
وفي الوقت نفسه، ترتبط إسبانيا والمغرب بشبكة اقتصادية ضخمة. فقد بلغ حجم تجارة السلع بين المغرب والاتحاد الأوروبي 62.2 مليار يورو سنة 2025، ما يؤكد حجم السوق المغربية بالنسبة للشركاء الأوروبيين.
السؤال إذن ليس: هل تستطيع سبتة ومليلية العيش بمعزل عن المغرب؟
بل: إلى متى يمكن تجاهل حقيقة أن ازدهارهما الاقتصادي يرتبط بدرجة كبيرة بعلاقتهما مع محيطهما المغربي؟
الهجرة والمخدرات.. الوجه الآخر للأزمة
ضعف فرص العمل وغياب آفاق اقتصادية واسعة يفتحان الباب أمام اقتصاديات موازية، من بينها التهريب وتجارة المخدرات، كما يزيدان من جاذبية الهجرة بالنسبة إلى فئات من الشباب.
ولا يمكن اختزال ظاهرة الهجرة في سبتة ومليلية في العامل الاقتصادي وحده، لكنها تضيف عبئا أمنيا وسياسيا على إسبانيا، خصوصا أن المدينتين تقعان على واحدة من أكثر النقاط حساسية في الحدود الأوروبية.
وهكذا تتحول الجغرافيا نفسها إلى مصدر ضغط: مدينتان صغيرتان، حدود مع المغرب، تدفقات بشرية، ملفات أمنية، ونموذج اقتصادي يحتاج إلى دعم مستمر.
الحل الذي تخشاه السياسة قد يكون الأكثر واقعية
من المنظور المغربي، لا يمكن أن يستمر الوضع الحالي إلى ما لا نهاية.
قد تستطيع الحكومات الإسبانية تأجيل النقاش السيادي لعقود أخرى، وقد تستخدم الأحزاب الملف في الحملات الانتخابية، لكن ذلك لا يغير الحقائق الجغرافية ولا يعالج الاختلالات الاقتصادية والاجتماعية.
لهذا، فإن عودة سبتة ومليلية إلى المغرب يمكن النظر إليها، في الرؤية المغربية، ليس فقط كاستحقاق سيادي وتاريخي، بل أيضا كأفق لإعادة بناء علاقة اقتصادية وجغرافية أكثر طبيعية مع محيطهما.
المغرب لا يحتاج إلى استعجال هذا المسار. فكلما تغيرت موازين الاقتصاد والتجارة في المنطقة، وكلما تراجع اعتماد المدينتين على نماذجها القديمة، أصبحت الحقيقة أكثر وضوحا: الجغرافيا لا يمكن تغييرها بالانتخابات، والاقتصاد لا يمكن إخضاعه إلى الأبد للشعارات السياسية.
ويبقى السؤال الحقيقي أمام إسبانيا هو: هل تريد مواصلة إدارة أزمة مؤجلة، أم البدء في التفكير، بواقعية، في مستقبل جديد لشمال إفريقيا؟


