رغم امتلاك المغرب واحدا من أكبر احتياطيات الفوسفات في العالم، وهي المادة التي جعلت المملكة لاعبا رئيسيا في سوق الأسمدة العالمية، فإن صناعة الفوسفات المغربية تواجه مفارقة استراتيجية غير متوقعة: وفرة هائلة في الفوسفات مقابل اعتماد كبير على الكبريت المستورد.
فبعد مرور ستة أشهر على الاضطرابات التي شهدتها منطقة الشرق الأوسط، لا يزال سوق الكبريت العالمي يعيش حالة من التوتر، ما وضع شركة المكتب الشريف للفوسفاط (OCP) أمام تحدٍ حقيقي يتعلق بتأمين المادة الأساسية اللازمة لتحويل الصخور الفوسفاتية إلى أسمدة.
الفوسفات وحده لا يكفي
قد يبدو امتلاك احتياطيات ضخمة من الفوسفات ضمانة كافية للسيطرة على سوق الأسمدة، لكن العملية الصناعية أكثر تعقيدًا من ذلك.
فالكبريت يُحوّل إلى حمض الكبريتيك، الذي يدخل بدوره في معالجة الصخور الفوسفاتية وإنتاج حمض الفوسفوريك والأسمدة المختلفة. وهذا يعني أن أي اضطراب في إمدادات الكبريت يمكن أن يؤثر مباشرة على وتيرة الإنتاج، مهما كانت كميات الفوسفات المتوفرة.
وهنا تظهر المفارقة المغربية بوضوح: المملكة تملك المادة الأساسية، لكنها تحتاج إلى مادة مستوردة حتى تتمكن من تحويلها إلى منتج نهائي قابل للتسويق عالميا.
أزمة الشرق الأوسط تضرب سوق الكبريت
أدت الاضطرابات الجيوسياسية إلى اضطراب كبير في تجارة الكبريت العالمية، خاصة أن جزءًا مهمًا من الإنتاج العالمي يأتي من منطقة الشرق الأوسط.
وبحسب المعطيات المتداولة، تراجع حجم الإمدادات العالمية بملايين الأطنان خلال الأشهر الماضية، فيما قفزت الأسعار بشكل غير مسبوق، لتتحول مادة كانت تكلف حوالي 500 دولار للطن قبل الأزمة إلى أكثر من ألف دولار في بعض الفترات.
هذه القفزة لم تكن مجرد مشكلة مالية بالنسبة للمصنعين، بل تحولت إلى تهديد مباشر لاستمرارية الإنتاج.
OCP تخفض وتيرة الإنتاج
كان المغرب من بين الدول الأكثر تأثرًا، بسبب اعتماد جزء كبير من وارداته من الكبريت على منطقة الشرق الأوسط.
وخلال ذروة الأزمة، اضطرت شركة OCP إلى تكييف إنتاجها مع الوضع الجديد، حيث أشارت تقارير إلى انخفاض وتيرة تشغيل بعض الوحدات الصناعية بسبب صعوبة تأمين الكميات المطلوبة من الكبريت.
كما لجأت المجموعة إلى إعادة ترتيب أولويات الإنتاج، والتركيز على أنواع من الأسمدة تحتاج إلى كميات أقل من الكبريت، في محاولة لتقليل الضغط على المخزونات المتوفرة.
وكانت الشركة قد استبقت جزءًا من الأزمة عبر تكوين مخزون احتياطي، الأمر الذي سمح لها بالحفاظ على استمرارية الإنتاج لفترة، غير أن استمرار اضطراب السوق جعل البحث عن حلول طويلة الأمد أمرًا ضروريًا.
يكشف الوضع الحالي حقيقة مهمة في الاقتصاد العالمي: امتلاك الموارد الطبيعية وحده لا يعني الاستقلال الصناعي الكامل.
فالمغرب يملك قوة هائلة في سوق الفوسفات العالمي، لكنه يظل مرتبطًا بسلاسل توريد دولية للحصول على مواد أخرى ضرورية لعملية التصنيع.
وتزداد حساسية هذه المعادلة مع ارتفاع الطلب العالمي على الأسمدة، خصوصًا في ظل سعي المغرب إلى تعزيز صادراته نحو أسواق استراتيجية، من بينها السوق الأمريكية.
وبينما يرتفع الطلب على الأسمدة المغربية، تصبح القدرة على تأمين الكبريت تحديًا لا يقل أهمية عن استخراج الفوسفات نفسه.
يبدو أن OCP أدركت أن الاعتماد الكبير على الكبريت المستورد يمثل مخاطرة استراتيجية، ولذلك بدأت المجموعة في العمل على مشاريع تهدف إلى تأمين مصادر بديلة محليًا.
ومن بين الحلول المطروحة مشاريع لاستخلاص الكبريت من معادن مثل البيريت والبيروتيت، وهي مشاريع ينتظر أن تدخل مراحل التشغيل خلال السنوات المقبلة.
والهدف واضح: تقليص الاعتماد على الواردات الخارجية وحماية الصناعة المغربية من الصدمات الجيوسياسية التي يمكن أن تضرب طرق التجارة الدولية في أي لحظة.
ولا يقتصر نقص الكبريت على المغرب وحده، إذ تواجه صناعة الأسمدة العالمية ضغوطًا متزايدة بسبب اضطراب الإمدادات وارتفاع الأسعار.
وتأثرت صادرات وإنتاج الأسمدة في عدة دول، بينما أصبحت تكلفة المواد الخام عاملًا رئيسيًا في تحديد قدرة الشركات على مواصلة الإنتاج.
لكن بالنسبة للمغرب، تبدو المخاطر أكبر بسبب المكانة الاستراتيجية التي يحتلها في سوق الفوسفات والأسمدة العالمي.
فأي اضطراب طويل الأمد في إنتاج OCP لن يكون مجرد قضية صناعية محلية، بل قد تكون له انعكاسات على أسواق الغذاء والأسمدة في مناطق مختلفة من العالم.
اليوم، لم يعد التحدي الحقيقي للمغرب هو العثور على الفوسفات، فهو يملك منه ما يكفي ليحافظ على موقعه العالمي لعقود طويلة.
التحدي أصبح في تأمين الكبريت.
وبين ارتفاع الأسعار، واضطراب الملاحة البحرية، والتوترات الجيوسياسية، يجد المغرب نفسه أمام معادلة جديدة: كيف يحافظ على قوته في سوق الأسمدة العالمية دون أن يبقى رهينة لمادة خام تأتي من الخارج؟
إنها مفارقة اقتصاد استراتيجي يمتلك كنزا تحت أرضه، لكنه يحتاج إلى مورد آخر من خارج حدوده حتى يحول ذلك الكنز إلى قوة صناعية واقتصادية.


