تتجه شركة الهندسة الفرنسية «سكاليان» إلى تعزيز حضورها في صناعة الطيران بالمغرب، من خلال مركز خدمات جديد بالدار البيضاء يعمل لصالح مجموعة «إيرباص». وسيتولى المركز دراسة والتحقق من نحو 2000 ملف لفحص قطع الطائرات خلال النصف الأول من سنة 2027.
وأعلنت الشركة عن تفاصيل المشروع يوم الثلاثاء 3 نونبر. وتستهدف معالجة ما يقارب 333 ملفا شهريا.
ولا تقتصر مهام المنصة الجديدة على مراجعة ملفات التفتيش النهائي. إذ ستتكلف أيضا بمراقبة الوثائق المرتبطة بأول قطعة مصنعة في ثلاثة أنواع من المشاريع: إطلاق مشروع جديد، أو إدخال تعديل داخلي أو بطلب من الزبون، أو نقل الإنتاج إلى موقع آخر.
وربطت «سكاليان» هذه المهمة ببرنامج مهم لصالح «إيرباص». كما وضعت برنامجي A350 وA220 ضمن أبرز مجالات الخبرة المطلوبة من الفريق الهندسي الذي سيعمل بالدار البيضاء.
فحص أول قطعة وآخر قطعة في سلسلة الإنتاج
تتمحور المهمة حول نوعين من عمليات مراقبة الجودة في صناعة الطيران. يتعلق الأول بفحص أول قطعة تخرج من عملية إنتاج جديدة، ويعرف اختصارا بـFAI. أما الثاني فيخص فحص آخر قطعة قبل توقف الإنتاج، ويعرف بـLAI.
ويهدف الفحص الأول إلى التأكد من أن عملية التصنيع قادرة على إنتاج قطعة مطابقة للمواصفات والرسومات التقنية. أما فحص القطعة الأخيرة، فيوثق حالة الإنتاج قبل إيقافه أو نقله.
وتكتسب العمليتان أهمية خاصة عند تغيير موقع التصنيع أو المورد. إذ تسمح نتائج الفحص الأخير بتحديد مرجعية الإنتاج في الموقع القديم. ثم يجري فحص أول قطعة في الموقع الجديد للتأكد من أن العملية المنقولة تحافظ على المواصفات نفسها.
وتشمل المقارنة الرسومات التقنية، والمواد المستخدمة، وأدوات التصنيع، والعمليات الصناعية الخاصة، والقياسات، وشهادات المطابقة. كما تساعد على رصد أي اختلاف أو خلل قد يظهر أثناء الانتقال بين سلسلتي الإنتاج.
وسيعمل مهندسو المركز المغربي على مراجعة ملفات تخص مكونات هيكلية وميكانيكية للطائرات. وتشمل مهامهم تدقيق الرسومات، وسجلات التصنيع، وتقارير التفتيش، ومدى احترام متطلبات «إيرباص».
كما سيتواصل الفريق مع أقسام الهندسة والتصنيع والجودة لدى الشركة، ومع الموردين المعنيين. وسيكون مطالباً بتحديد كل نقص أو اختلاف في الوثائق، وإسناد معالجته إلى الجهة المختصة، ثم تتبع الإجراءات التصحيحية حتى إغلاق الملف.
معيار دولي لتوثيق مطابقة القطع
في ما يتعلق بفحص أول قطعة، سيتولى الفريق إعداد النماذج الثلاثة المعتمدة ضمن ملف التفتيش. كما سيحدد الخصائص التقنية على الرسومات، ويجمع شهادات المواد والمكونات، ويتحقق من قوائم القطع.
وسيضم الملف أيضا الأدلة المادية التي تثبت مطابقة القطعة للمواصفات. ويتعين على الفريق متابعة حالات عدم المطابقة والإجراءات التصحيحية إلى حين الحصول على المصادقة النهائية.
وتستند هذه العملية إلى معيار EN 9102، المعتمد في قطاعات الطيران والفضاء والدفاع. ويحدد المعيار متطلبات فحص تعريف القطعة والمواد المستعملة والعمليات الصناعية ونتائج القياسات.
وتشير المعطيات الواردة في المقال المصدر إلى أن النسخة الأوروبية المعمول بها هي EN 9102:2024. كما أدرجها سجل سنة 2026 الصادر عن المجموعة الدولية لجودة الطيران والفضاء، المعروفة اختصارا بـIAQG.
وتفرض متطلبات «إيرباص» إجراء فحص أول قطعة عند إطلاق الإنتاج. وينطبق الأمر أيضا عند تعديل التصميم أو تغيير طريقة التصنيع أو نقل الإنتاج إلى موقع آخر. كما تستوجب إعادة الفحص بعد توقف الإنتاج لمدة سنتين أو أكثر.
وبالنسبة إلى موردي برنامج A220، تشترط الشركة إعداد ملف رسمي يشمل القطع الفردية والمجموعات الفرعية والتجميعات. وتمتد المتطلبات إلى بعض أطقم القطع المعدة لعمليات التركيب.
ويجب إيداع هذه الملفات عبر النظام الإلكتروني Net-Inspect قبل شحن القطع. Airbus
وتعني معالجة 2000 ملف خلال ستة أشهر أن المركز يحتاج إلى تنظيم مستمر للمراجعة والتدقيق. فكل ملف قد يضم رسومات تفصيلية ونتائج قياس وشهادات مواد وتقارير اختبارات ووثائق العمليات الخاصة. وقد يتضمن أيضاً طلبات استثناء أو وثائق إضافية مرتبطة بالمطابقة.
فريق آخر يتولى تتبع تغييرات الموردين
بالتوازي مع عمليات فحص القطع، أسندت «سكاليان» إلى فريق آخر في الدار البيضاء مهمة تتبع التغييرات الصناعية لدى موردي «إيرباص».
ويتولى هذا الفريق معالجة الإشعارات التي يقدمها الموردون عند تغيير أحد عناصر الإنتاج. وتشمل الحالات تغيير المورد أو المادة أو طريقة التصنيع أو أدوات الإنتاج أو أحد المكونات أو وسائل التصنيع.
وتبدأ العملية باستلام الإشعار والتحقق من اكتمال المعلومات. بعد ذلك، يحدد الفريق المصالح المعنية ويصنف مستوى المخاطر المرتبطة بالتغيير.
وتخضع التغييرات متوسطة وعالية المخاطر لتقييم رسمي. كما يتولى الفريق مراسلة الموردين، وتنظيم اجتماعات إغلاق الملفات، وتتبع الإجراءات التي لم تنفذ في مواعيدها.
وتسبق هذه المهمة عادة عمليات فحص أول قطعة وآخر قطعة. فقد يؤدي تغيير أحد الموردين أو المواد أو طرق الإنتاج إلى ضرورة إعادة فحص أول قطعة للتأكد من استمرار المطابقة.
وبذلك، يمتد عمل المركز المغربي إلى مستويين مترابطين. الأول إداري وتقني، يخص تتبع التغييرات الصناعية وتقييم مخاطرها. والثاني يتعلق بالتحقق من مطابقة القطع الناتجة عن هذه التغييرات.
مهندسون بالمغرب يواكبون موردين خارج المملكة
تضم «سكاليان» نحو 5500 موظف، وتنشط في 11 بلدا. وتقدم خدمات في إدارة المشاريع الصناعية، وسلاسل التوريد، وجودة الموردين، والأنظمة الرقمية.
ولا تعد مهمة فحص القطع الجديدة النشاط الوحيد الذي تؤديه الشركة بالدار البيضاء لصالح «إيرباص». إذ تتولى مهمة أخرى مرتبطة بسلسلة الإمداد وجودة الموردين، وتركز على الإنذارات المتعلقة بقطع الغيار الموجهة إلى خدمات ما بعد البيع في مدينة هامبورغ الألمانية.
وتشمل هذه المهمة تأهيل مورد صيني ينتج قطعا من التيتانيوم باستخدام الطباعة ثلاثية الأبعاد، لفائدة طائرات A380.
ويعني ذلك أن مهندسين يعملون من المغرب يساهمون في متابعة موردين ومواقع إنتاج خارج المملكة. كما قد تتعلق الملفات التي يعالجها المركز بقطع صنعت في أوروبا أو أمريكا الشمالية أو آسيا، حتى عندما تكون القطعة الأولى الناتجة عن عملية الإنتاج الجديدة مصنعة في بلد آخر.
وتكمن القيمة الصناعية لهذه الخدمات في التدقيق التقني، وتقييم المخاطر، وتأهيل الموردين، والتحقق من الوثائق قبل اعتماد القطع. وهي وظائف تتجاوز المساعدة الإدارية، لتدخل ضمن منظومة مراقبة الجودة التي تعتمد عليها مصانع «إيرباص».
ارتفاع إنتاج إيرباص يوسع الحاجة إلى مراقبة الجودة
يتزامن إطلاق المركز مع استعداد «إيرباص» لرفع وتيرة إنتاج عدد من طائراتها. فقد بلغ دفتر طلبيات المجموعة 9310 طائرات تجارية مع نهاية شتنبر 2026، بعدما سجلت 1105 طلبيات صافية منذ بداية السنة.
وتستهدف الشركة الوصول إلى إنتاج 13 طائرة من طراز A220 شهرياً خلال سنة 2028. كما تخطط لإنتاج 12 طائرة من طراز A350 شهرياً في الفترة نفسها. Airbus+1
ومن شأن زيادة الإنتاج أن ترفع الحاجة إلى تأهيل الموردين ومراقبة عمليات نقل التصنيع. كما تزيد أهمية توثيق التغييرات الصناعية والتحقق من مطابقة القطع عند إطلاق خطوط إنتاج جديدة أو تعديلها.
وفي هذا السياق، استحوذت «إيرباص» في دجنبر 2025 على موقع شركة «Spirit AeroSystems» بالدار البيضاء. وكان الموقع ينتج مكونات لطائرتي A220 وA321، قبل أن ينضم إلى المجموعة تحت اسم Airbus Atlantic Maroc Aero. Airbus
وخلال الأشهر التسعة الأولى من سنة 2026، سجلت «إيرباص» تكلفة سلبية بقيمة 235 مليون يورو، أي ما يعادل نحو 2.53 مليار درهم. وارتبطت هذه التكلفة بعملية دمج حزم الإنتاج السابقة لشركة «Spirit AeroSystems» ضمن المجموعة. Airbus
وكانت «إيرباص» قد أعلنت، يوم 10 أكتوبر، التحضير لإنشاء مصنع ثالث بالمغرب. وتبلغ المساحة المرتقبة لهذا المشروع نحو 6900 متر مربع. وسيخصص للتصميم والتصنيع والتجميع.
وتحدث ممثل الشركة آنذاك عن زيادة مرتقبة بنسبة 30 في المائة في المساحات الصناعية. كما أشار إلى إعلان رسمي عن المشروع خلال الأشهر التالية.
وتعكس هذه المشاريع توسع أدوار المغرب داخل منظومة «إيرباص». فلم تعد مساهمة المملكة تقتصر على تصنيع بعض مكونات الطائرات. بل تشمل أيضا خدمات هندسية متخصصة في مراقبة الجودة وتتبع الموردين والتغييرات الصناعية، وهي خدمات يمكن تقديمها لمصانع وموردين في أسواق متعددة.







تُراجع تعليقات القرّاء قبل ظهورها على الموقع.
التعليقات تعبّر عن آراء أصحابها، ولا تعبّر بالضرورة عن رأي أنفانيوز. نرحّب بالنقاش المحترم، ونحتفظ بحق عدم نشر التعليقات التي تتضمن إساءة أو تشهيراً أو بيانات شخصية.