حذرت دراسة أعدتها جمعية Assarmatori الإيطالية لمهنيي النقل البحري من احتمال انتقال جزء من نشاط إعادة شحن الحاويات من موانئ جنوب أوروبا إلى موانئ شمال إفريقيا، بينها طنجة المتوسط والناظور غرب المتوسط والدار البيضاء.
وتقدر الدراسة حجم حركة الحاويات المعرضة للتحول بين 2.85 و6.30 ملايين حاوية نمطية، وفق سيناريوهين افتراضيين. وقد يوازي ذلك استثمارات في البنية المينائية تتراوح قيمتها بين 1.425 و3.6 مليارات يورو، أي ما يعادل نحو 15.6 إلى 39.42 مليار درهم.
وعرضت الجمعية نتائج الدراسة، الأربعاء 4 نوفمبر، أمام البرلمان الأوروبي. وأعدها جيوفاني ساتا، الأستاذ المشارك في الاقتصاد بجامعة جنوة الإيطالية. وتحمل عنوان «سوق الكربون الأوروبية ومنصات الحاويات في جنوب أوروبا: النتائج الملموسة لتحويل نشاط إعادة الشحن».
وتتناول الدراسة التغييرات التي عرفتها الخدمات البحرية منذ توسيع نظام تداول حصص الانبعاثات الأوروبي ليشمل النقل البحري. وترى الجمعية أن خطر انتقال النشاط إلى الضفة الجنوبية للمتوسط أصبح «ملموسا وراهنا».
كلفة الكربون تدفع شركات الشحن إلى تغيير مساراتها
تربط الدراسة هذا الاحتمال بالفوارق في الكلفة التنظيمية بين تشغيل منصة لإعادة شحن الحاويات داخل الاتحاد الأوروبي، ونقل هذا النشاط إلى ميناء خارج حدوده.
فشركات الملاحة تستطيع تعديل مسارات سفنها، أو تقليص توقفاتها في الموانئ الأوروبية. ويمكنها أيضا نقل عمليات إعادة الشحن إلى موانئ دول أخرى.
وتحذر الدراسة من أن هذا التحول قد يصبح صعب التراجع عنه. ويحدث ذلك بعد تثبيت التجهيزات وتوقيع عقود الامتياز وإعادة تنظيم شبكات النقل والتجميع الإقليمية.
ودخل نظام تداول حصص الانبعاثات الأوروبي حيز التطبيق على النقل البحري في فاتح يناير 2024. ويغطي كامل الانبعاثات بين ميناءين أوروبيين، وجميع الانبعاثات أثناء رسو السفن. كما يشمل نصف الانبعاثات الناتجة عن الرحلات التي تربط ميناء أوروبيا بآخر خارج الاتحاد.
وألزمت القواعد شركات الملاحة بتغطية 40 في المائة من انبعاثاتها المصرح بها خلال 2024. وارتفعت النسبة إلى 70 في المائة سنة 2025، قبل أن تصل إلى 100 في المائة خلال 2026.
كما توسع نطاق النظام هذا العام ليشمل غازي الميثان وأكسيد النيتروز، إلى جانب ثاني أكسيد الكربون.
طنجة المتوسط ضمن قائمة الموانئ الخاضعة للمراقبة
يحظى ميناء طنجة المتوسط بوضع خاص في التنظيم الأوروبي. فقد أدرجته لائحة تنفيذية صدرت سنة 2023 ضمن قائمة «الموانئ المجاورة لإعادة الشحن»، إلى جانب ميناء شرق بورسعيد المصري.
واعتمد الاتحاد الأوروبي ثلاثة معايير لهذا التصنيف. أولها ألا تتجاوز المسافة 300 ميل بحري عن ميناء أوروبي. وثانيها أن تتجاوز حصة إعادة الشحن 65 في المائة من إجمالي حركة الحاويات. أما المعيار الثالث، فيتعلق بعدم وجود تدبير مماثل لسوق الكربون في البلد المعني.
وبموجب هذه القواعد، لا تستطيع السفن تفادي أداء حصص الانبعاثات عبر توقف صوري في طنجة المتوسط. ويشمل ذلك التوقف الذي يستهدف فقط قطع الرحلة البحرية الخاضعة للنظام الأوروبي.
لكن الدراسة تميز بين هذا النوع من التوقفات، وبين نقل منصة إعادة الشحن نفسها إلى ميناء خارج الاتحاد. ففي الحالة الثانية، يمكن للشركات اعتماد ميناء خارجي مركزا لتوزيع الحاويات. ثم تنقلها إلى الموانئ الأوروبية بواسطة سفن أصغر مخصصة للربط البحري.
وهذا ما يجعل نقل النشاط أكثر صعوبة على القواعد الحالية، وفق تحليل الدراسة.
وكان البرلمان الأوروبي قد دعا، في قرار بشأن استراتيجية الموانئ صدر في يناير 2024، إلى مراقبة انتقال الأنشطة إلى موانئ خارج الاتحاد. ويهدف ذلك إلى رصد أي تحايل محتمل على سوق الكربون واللائحة الأوروبية للوقود البحري «FuelEU Maritime».
دراسة ترصد ارتفاع تغييرات المسارات البحرية
ركزت الدراسة على أربعة موانئ أوروبية تعتمد بدرجات متفاوتة على إعادة شحن الحاويات. ويتعلق الأمر بجويا تاورو وتارانتو في إيطاليا، وميناء مرسى يَخْت في مالطا، وسينيس في البرتغال.
وسجلت هذه الموانئ مجتمعة مناولة 8.73 ملايين حاوية نمطية خلال 2024. وتشكل إعادة الشحن 100 في المائة من حركة الحاويات في جويا تاورو، ونحو 96 في المائة في مرسى يخت. وتبلغ النسبة 76.6 في المائة في سينيس، مقابل 49 في المائة في تارانتو.
وتتبعت الدراسة خدمات النقل البحري العالمية والإقليمية وبين المناطق. كما رصدت تغيرات عدد الرحلات والأسطول والمسارات ومحطات التوقف خلال فترتين.
امتدت الفترة الأولى من 14 يوليوز 2021، تاريخ تقديم حزمة «ملاءمة الهدف 55»، إلى 31 دجنبر 2023. أما الفترة الثانية، فبدأت مع دخول النظام البحري حيز التطبيق في فاتح يناير 2024، وانتهت في 16 أبريل 2026.
وشملت العينة 86 خدمة بحرية ظلت مرتبطة بميناء واحد على الأقل من الموانئ الأربعة. كما تضمنت 20 خدمة سابقة غادرت تلك الموانئ. واعتمدت الدراسة على بيانات «Alphaliner» وبرامج شركات الملاحة والإحصاءات المينائية وإعلانات الاستثمارات العمومية.
وسجلت الخدمات الـ86 النشطة 516 تغييرا. وشملت 380 تعديلا للمسارات، و136 تغييرا في وتيرة الرحلات.
وارتفع عدد هذه التغييرات من 211 قبل تطبيق نظام الكربون إلى 305 بعد دخوله حيز التنفيذ. أي بزيادة بلغت 44.5 في المائة.
وعلى أساس المعدل الشهري، انتقلت التغييرات من 7 إلى 10.9. وارتفعت مراجعات المسارات من 5.2 إلى 8 شهريا. كما زادت تغييرات وتيرة الرحلات من 1.8 إلى 2.9.
51 تغييرا بعد تطبيق النظام الأوروبي
رصدت الدراسة 77 تغييرا اعتبرتها قرارات «قد تكون مدفوعة» بنظام الكربون. وتؤدي هذه التعديلات إلى تقليص تعرض الخدمات البحرية للكلفة التنظيمية الأوروبية.
وتشمل استبدال ميناء أوروبي بآخر خارج الاتحاد. كما تشمل تغيير أول أو آخر محطة أوروبية في الرحلة. وقد تعتمد الشركات أيضاً مسارات جديدة أقصر داخل النطاق الخاضع لحصص الانبعاثات.
وطالت هذه التغييرات 41 خدمة من أصل 86. وسجلت الدراسة 26 حالة قبل بدء تطبيق النظام، مقابل 51 حالة بعده.
وتوزعت الحالات الـ77 بين 44 تغييرا في الخدمات البحرية بين المناطق، و32 في الخدمات العالمية، وحالة واحدة في الخدمات الإقليمية.
وتشير الدراسة إلى أن التغييرات الـ26 السابقة على التطبيق قد تعكس قرارات استباقية من شركات الملاحة. لكنها تقر أيضاً بوجود عوامل أخرى أثرت في الشبكات البحرية خلال الفترة نفسها.
ومن أبرزها أزمة البحر الأحمر، التي بدأت في أكتوبر 2023. كما شهد القطاع إعادة تشكيل للتحالفات البحرية في فبراير 2025.
أما الخدمات العشرون التي غادرت الموانئ الأربعة، فقد سجلت ثماني خدمات منها تغييرا واحدا على الأقل يتوافق مع احتمال نقل نشاط إعادة الشحن بسبب نظام الكربون. وبلغ مجموع هذه التغييرات عشرة، بينها ستة مرتبطة بشبكات بحرية عالمية.
وتورد الدراسة مثالين على ذلك. ففي يناير 2023، حل ميناء الإسكندرية محل مرسى يخت في خدمة «MED5» التابعة لتحالف «Ocean Alliance» والرابطة بين آسيا والبحر المتوسط.
وفي شتنبر 2024، عوض ميناء أبو قير المصري ميناء جويا تاورو في خدمة «Levante Express» التابعة لشركة «MSC». وتربط هذه الخدمة بين شمال أوروبا وشرق البحر المتوسط.
وترى الدراسة أن المثالين يوضحان الآلية التي تبحثها، دون أن يعني ذلك إثبات أن نظام الكربون كان السبب الوحيد وراء التغييرين.
موانئ المغرب ضمن خريطة المنافسة
لم تقتصر المقارنة على الموانئ الأوروبية الأربعة. فقد أدرجت الدراسة ثلاثة موانئ مغربية ضمن شبكة الموانئ القادرة على استقطاب نشاط إعادة الشحن.
ويتعلق الأمر بطنجة المتوسط، والناظور غرب المتوسط، والدار البيضاء. كما شملت المقارنة ميناء جن جن في شمال شرق الجزائر، ومصراتة في شمال غرب ليبيا، وسبعة موانئ مصرية.
وتضم القائمة المصرية الإسكندرية والدخيلة وأبو قير ودمياط وبورسعيد وشرق بورسعيد والعين السخنة.
وتعتبر الدراسة أن هذه الموانئ تشكل بدائل محتملة أمام شركات الملاحة الكبرى. وقد تؤثر قدراتها المتنامية في قرارات توزيع نشاط إعادة الشحن بين ضفتي المتوسط.
وفي ما يخص المغرب، أشارت الدراسة إلى توسعة ميناء طنجة المتوسط. وتضيف هذه التوسعة طاقة استيعابية تصل إلى مليوني حاوية نمطية. كما أنهت شركة «APM Terminals» المرحلة الأخيرة منها في نهاية 2024.
أما مشروع الناظور غرب المتوسط، فتناولت الدراسة استثماراً بقيمة 280 مليون دولار، أي نحو 2.77 مليار درهم. وأُعلن عنه سنة 2024 لإنجاز المحطة الغربية. ويجمع المشروع بين مجموعة «CMA CGM» بحصة 49 في المائة، وشركة «Marsa Maroc» بحصة 51 في المائة.
وفي الدار البيضاء، يرتقب أن تبلغ الطاقة السنوية للمحطة الثالثة 900 ألف حاوية نمطية بحلول 2030. كما ستتجاوز الطاقة الإجمالية للميناء مليوني حاوية سنويا.
سيناريوهات تصل إلى 6.3 ملايين حاوية
قدرت الدراسة حجم نشاط إعادة الشحن المعرض للتحول من الموانئ الأوروبية بنحو 38 إلى 42 مليون حاوية نمطية. واعتمدت في محاكاتها على احتمالين لنقل هذا النشاط إلى موانئ أخرى.
يفترض السيناريو الأول انتقال 7.5 في المائة من النشاط، بما يعادل 2.85 مليون حاوية. أما السيناريو الثاني، فيفترض انتقال 15 في المائة، أي ما يصل إلى 6.30 ملايين حاوية.
وتحتاج الموانئ المستقبلة، وفق معامل حسابي اعتمدته الدراسة يبلغ 1.43، إلى طاقة إضافية تتراوح بين 4.07 و9 ملايين حاوية نمطية.
وباحتساب كلفة استثمارية تتراوح بين 350 و400 يورو لكل حاوية من الطاقة الإضافية، تصل القيمة التقديرية للتجهيزات إلى 1.425 مليار يورو في السيناريو المنخفض. وترتفع إلى 3.6 مليارات يورو في السيناريو المرتفع.
وتصف الدراسة هذه الأرقام بأنها قيمة نظرية للتجهيزات التي تعادل حجم النشاط المنقول. ولا تمثل تقديرا لاستثمارات معلنة أو مشاريع مؤكدة.
كما تقدر الإيرادات السنوية المهددة للموانئ الأوروبية بين 403.7 و892.4 مليون يورو. ويستند هذا الحساب إلى متوسط إيرادات إيطالي يبلغ 141.65 يورو لكل حاوية نمطية.
أما فرص الشغل المعرضة للخطر، فتتراوح بين 2005 و4431 وظيفة. واعتمدت الدراسة في تقديرها على معدل يقارب 0.7 وظيفة لكل ألف حاوية.
مقترحات أوروبية لتعديل قواعد الموانئ المجاورة
في 17 يوليوز، اقترحت المفوضية الأوروبية مراجعة قواعد سوق الكربون. ومن بين التعديلات المقترحة خفض عتبة إعادة الشحن المطلوبة لإدراج الموانئ المجاورة من 65 إلى 50 في المائة.
كما اقترحت معيارا إضافيا للموانئ الواقعة على مسافة تقل عن 150 ميلا بحريا من الاتحاد الأوروبي. ويشترط هذا المعيار توفر غاطس يتجاوز 11 مترا، ورصيف يزيد طوله على 250 مترا، ورافعات مخصصة لمناولة الحاويات.
وتنص المقترحات أيضاً على مراجعة القائمة سنويا.
وتتضمن الصيغة التي عرضتها المفوضية تخفيفا، حتى 2035، لالتزامات تسليم حصص الانبعاثات بالنسبة إلى سفن الحاويات التي تبلغ طاقتها 10 آلاف حاوية نمطية على الأقل. ويخص ذلك الرحلات القادمة إلى الموانئ الأوروبية من مسافة تتجاوز 300 ميل بحري.
ويرتبط حجم التخفيف بنسبة الحاويات التي تُفرغ في ميناء أوروبي، قبل نقلها على متن سفينة أخرى باتجاه بلد خارج الاتحاد.
لكن جمعية «Assarmatori» تعتبر أن نطاق هذا التخفيف يظل محدوداً. وتعترض خصوصا على استثناء الرحلات البحرية المغادرة من أوروبا، وعلى شرط الحمولة المحدد في 10 آلاف حاوية. كما ترى أن التخفيف الجزئي لا يعالج المشكلة بشكل كاف.
في المقابل، يتضمن تعديل توافقي مرتبط بمقرر النص في البرلمان الأوروبي، بيتر ليزه، توسيع الاستفادة لتشمل الرحلات القادمة والمغادرة. كما يقترح خفض الحد الأدنى لطاقة السفن إلى 5 آلاف حاوية، وربط التخفيف بنسبة الحاويات المعاد شحنها والمسافة المقطوعة.
وتقدم الدراسة مثالا توضيحيا لسفينتين افتراضيتين، تبلغ طاقة كل منهما 11 ألف حاوية نمطية. وتقطع كل سفينة مسافة 4500 ميل بحري، مع انبعاث 3000 طن من ثاني أكسيد الكربون، ونسبة إعادة شحن تبلغ 45 في المائة.
في هذه الحالة، يفرض النظام العادي تسليم 3000 حصة انبعاثات. وتنخفض الكمية إلى 2325 حصة وفق مقترح المفوضية. بينما تصل إلى 480 حصة وفق التعديل التوافقي المقترح.
وتحذر الجمعية من أن نقل إعادة الشحن إلى منصة في شمال إفريقيا قد يسمح بإخراج هذا النشاط من نطاق سوق الكربون الأوروبي. غير أن المسار التشريعي لا يزال مستمرا داخل البرلمان الأوروبي ومجلس الاتحاد الأوروبي.







تُراجع تعليقات القرّاء قبل ظهورها على الموقع.
التعليقات تعبّر عن آراء أصحابها، ولا تعبّر بالضرورة عن رأي أنفانيوز. نرحّب بالنقاش المحترم، ونحتفظ بحق عدم نشر التعليقات التي تتضمن إساءة أو تشهيراً أو بيانات شخصية.