إعلان

الرئيسية

·

لماذا ترتفع الأسعار بالمغرب بسرعة مع غلاء النفط وتتأخر في التراجع؟

كشفت دراسة اقتصادية أن ارتفاع أسعار النفط ينعكس بسرعة على التضخم في المغرب، بينما لا يظهر تأثير مماثل ومستمر على المدى الطويل. وأظهرت النتائج أن زيادات أسعار الخام تضغط على الأسعار المحلية أكثر مما تسهم التخفيضات في خفضها، غير أن هذا التفاوت يظل مؤقتا.

واعتمدت الدراسة على بيانات فصلية امتدت من 1998 إلى 2022، وشملت 100 فصل. وأعدها خمسة باحثين ينتمون إلى أربع جامعات مغربية في مكناس والقنيطرة وفاس والدار البيضاء.

وخلص الباحثون إلى أن ارتفاع سعر خام برنت يؤثر إيجابيا وبشكل دال إحصائيا على التضخم في الأجل القصير. وبلغ معامل التأثير المقدر 1.676، عند مستوى احتمالية قدره 0.029.

ويربط الباحثون هذه النتيجة باعتماد المغرب الكبير على الطاقة المستوردة. وتتجاوز نسبة التبعية الطاقية 90 في المائة، ما يجعل تكاليف الإنتاج والنقل عرضة لتقلبات الأسواق الدولية.

في المقابل، لم ترصد الدراسة تأثيرا إحصائيا معنويا لأسعار النفط على التضخم في الأجل الطويل. وينطبق ذلك على الارتفاعات والانخفاضات معا.

ارتفاعات النفط تنتقل أسرع من تراجع أسعاره

أظهرت نتائج الدراسة وجود تفاوت بين تأثير ارتفاع أسعار النفط وانخفاضها. فالزيادات تنعكس بقوة أكبر على التضخم خلال الأجل القصير، بينما لا تؤدي الانخفاضات إلى تراجع مماثل في الأسعار.

ويربط الباحثون هذا التفاوت ببطء انخفاض الأسعار مقارنة بسرعة ارتفاعها. فالشركات ترفع أسعارها عند زيادة تكاليف الطاقة، لكنها لا تخفضها بالوتيرة نفسها عندما تتراجع تلك التكاليف.

كما تشير الدراسة إلى دور بنية المنافسة في بعض قطاعات التوزيع. وتلفت إلى تركّز بعض الأنشطة المرتبطة بالطاقة والمواد الغذائية.

لكن هذا التفاوت لا يستمر على المدى الطويل. إذ لا تسمح النتائج برصد اختلاف معنوي بين تأثير الزيادات والانخفاضات النفطية في هذه المرحلة.

وتشير سرعة تصحيح الاختلالات إلى عودة المؤشرات نحو التوازن خلال فترة وجيزة. فقد بلغ معامل تصحيح الخطأ ناقص 1.103، بما يعني تصحيح معظم الاختلال خلال فصل واحد.

تحرير أسعار المحروقات وتغير نظام الصرف

تضع الدراسة هذه النتائج في سياق التحولات التي عرفها الاقتصاد المغربي. فمنذ سنة 2015، شرع المغرب تدريجيا في تحرير أسعار المحروقات.

وقلّص هذا التوجه دور الدولة في امتصاص تقلبات الأسعار. كما جعل السوق المحلية أكثر تعرضا لتغيرات أسعار النفط عالميا.

وشهد نظام صرف الدرهم بدوره إصلاحا سنة 2018. ويرى الباحثون أن هذين التحولين جعلا انتقال الصدمات الاقتصادية أكثر تعقيدا، وربما أكثر سرعة وتفاوتا.

وتختبر الدراسة أربع فرضيات رئيسية. تتعلق الأولى بتأثير أسعار النفط على التضخم، والثانية بدور سعر الصرف في نقل هذا التأثير.

أما الفرضيتان الأخريان، فتتناولان اختلاف تأثير ارتفاع النفط عن انخفاضه، وتباين النتائج بين الأجلين القصير والطويل.

وخلص الباحثون إلى تأكيد الفرضيتين الأخيرتين. بينما تأكدت الفرضيتان الأوليان بشكل جزئي فقط.

كيف أنجز الباحثون الدراسة؟

استخدم الباحثون نموذجا اقتصاديا يعرف باسم «NARDL». ويتيح هذا النموذج الفصل بين الزيادات والانخفاضات في أسعار النفط، وقياس تأثير كل منها بشكل مستقل.

واعتمدت الدراسة بيانات فصلية تشمل مؤشر أسعار الاستهلاك والناتج الداخلي الإجمالي الحقيقي. واستُقيت بيانات المؤشرين من وزارة الاقتصاد والمالية.

كما اعتمدت متوسطات فصلية لسعر خام برنت. وشملت المعطيات أيضا سعر صرف الدرهم مقابل الدولار، الصادر عن بنك المغرب.

واختار الباحثون النموذج بصيغته (2، 2، 2، 2، 1)، اعتمادا على معيار أكايك للمفاضلة بين النماذج.

وأظهرت الاختبارات الإحصائية سلامة النموذج من مشكلات الارتباط الذاتي وعدم تجانس التباين في البواقي. كما ظلت اختبارات الاستقرار «CUSUM» داخل الحدود المقبولة عند مستوى 5 في المائة.

وأكد اختبار التكامل المشترك وجود علاقة طويلة الأجل بين المتغيرات. وبلغت إحصائية فيشر 13.67، متجاوزة القيمة المرجعية البالغة 4.37 عند مستوى دلالة 1 في المائة.

وفسر النموذج نحو 63.7 في المائة من تغيرات التضخم على المدى القصير.

سعر الصرف لا يخلق ضغطا تضخميا مستداما

لم تسجل الدراسة تأثيرا فوريا معنويا لسعر الصرف على التضخم. وبلغ معامل التأثير 0.353، وهي قيمة لا تستوفي مستويات الدلالة الإحصائية المعتادة.

لكن تأثير التغيرات المتأخرة ظهر بشكل دال إحصائيا. وبلغ المعامل المسجل ناقص 6.788، عند مستوى احتمالية 0.011.

أما على المدى الطويل، فلم يظهر سعر الصرف تأثيرا معنويا على التضخم.

وتُظهر دوال الاستجابة أن تأثيره يبدأ إيجابيا، لكنه يظل محدودا. ثم ينعكس ابتداء من المرحلة الثانية، قبل أن يتلاشى تدريجيا.

ويربط الباحثون هذه النتيجة بطبيعة نظام الصرف الذي ظل خاضعا للتدبير، وبالتدرج الذي اعتمده بنك المغرب في توسيع مرونة الدرهم.

النمو الاقتصادي يحد من الأسعار على المدى الطويل

في المقابل، برز النمو الاقتصادي باعتباره عاملا مؤثرا في مستوى الأسعار على المدى الطويل.

وبلغ معامل الناتج الداخلي الإجمالي الحقيقي ناقص 0.997، مع دلالة إحصائية عند مستوى 1 في المائة.

وتعني هذه النتيجة أن ارتفاع النشاط الاقتصادي ارتبط بانخفاض المستوى العام للأسعار في الأجل الطويل. ويعزو الباحثون ذلك إلى تحسن ظروف العرض، وارتفاع الإنتاجية، واستقرار السياسات الاقتصادية.

أما على المدى القصير، فلم يظهر لتغيرات الناتج الداخلي الإجمالي تأثير إحصائي معنوي على التضخم.

ويشير الباحثون إلى أن أثر النفط في المغرب يختلف عن نتائج دراسات دولية كثيرة. فهذه الدراسات سجلت في حالات عديدة تأثيرات طويلة الأمد للصدمات النفطية على الأسعار.

ويرون أن سرعة عودة التضخم نحو التوازن تمثل سمة خاصة بالحالة المغربية. ويربطونها بتحسن الإطار الاقتصادي الكلي، ومصداقية بنك المغرب، وبداية تنويع مصادر الطاقة.

مع ذلك، يؤكدون استمرار تعرض الاقتصاد المغربي لصدمات أسواق الطاقة على المدى القصير.

توصيات لتقليص التبعية الطاقية

تقترح الدراسة ثلاثة توجهات للتعامل مع نتائجها.

أولها تعزيز آليات استقرار الأسعار. ويشمل ذلك تطوير أدوات لتدبير مخاطر تقلبات أسواق الطاقة، وتسريع تنفيذ الاستراتيجية الوطنية لتنويع مصادر الطاقة.

أما التوجه الثاني، فيركز على معالجة تفاوت تأثير الارتفاعات والانخفاضات. ويدعو الباحثون إلى تعزيز المنافسة والشفافية في أسواق الطاقة والنقل، للحد من بطء انخفاض الأسعار.

ويتعلق التوجه الثالث بالحفاظ على استقرار الأسعار على المدى الطويل. ويدعو الباحثون إلى مواصلة السياسة النقدية الحذرة لبنك المغرب.

كما يشددون على ضرورة زيادة الاستثمارات في الطاقات المتجددة والنجاعة الطاقية والبنيات التحتية الاستراتيجية. والهدف هو تقليص التبعية للمحروقات والحد من التعرض لتقلبات الأسواق الدولية.

تابع آخر الأخبار مباشرة من أنفانيوز عبر قناتنا WhatsApp

مواضيع ذات صلة

إعلان

شاركنا رأيك

ما رأيك في هذا الخبر؟ شاركنا وجهة نظرك.

كن أول من يشارك رأيه

عبّر عن رأيك باحترام.

تُراجع تعليقات القرّاء قبل ظهورها على الموقع.

تنويه للقرّاء

التعليقات تعبّر عن آراء أصحابها، ولا تعبّر بالضرورة عن رأي أنفانيوز. نرحّب بالنقاش المحترم، ونحتفظ بحق عدم نشر التعليقات التي تتضمن إساءة أو تشهيراً أو بيانات شخصية.