بدأت حرب الرمال بهجوم عسكري جزائري على موقعي حاسي بيضاء وتنجوب يوم 8 أكتوبر 1963. واستهدف الهجوم عناصر مغربية مساعدة كانت تتولى مهام الحراسة والإدارة في الموقعين، ولم تكن تشكل قوة عسكرية نظامية مجهزة لمواجهة وحدات الجيش الجزائري. وأسفر الهجوم عن مقتل عشرة مغاربة، قبل أن تتطور الأحداث إلى مواجهة عسكرية واسعة بين البلدين.
ولم يكن التصعيد مفاجئا في سياقه السياسي. فقد سبقه خلاف متزايد حول الحدود الموروثة عن الاستعمار الفرنسي، ومحاولات مغربية لفتح مفاوضات مباشرة مع القيادة الجزائرية. كما جاءت المواجهة في وقت كان فيه نظام الرئيس أحمد بن بلة يواجه تمردا مسلحا في منطقة القبائل وأزمة داخلية على مستوى السلطة.
وتكشف الصحافة الفرنسية المعاصرة للأحداث، والوثائق الدبلوماسية الأمريكية، أن المغرب حاول معالجة الخلاف سياسيا قبل انتقاله إلى المواجهة المسلحة. كما توثق هذه المصادر طبيعة الهجوم الأول، والتدخلات المصرية والكوبيّة، والتحركات الدبلوماسية التي رافقت الحرب.
من اتفاق 1961 إلى تعثر المفاوضات مع بن بلة
تعود جذور النزاع إلى الحدود التي رسمتها فرنسا خلال فترة احتلالها للجزائر. فقد ترك الاستعمار خلافات ترابية بين البلدين، خصوصا في المناطق الصحراوية المحيطة ببشار وتندوف.
وكان المغرب قد أعلن دعمه لاستقلال الجزائر، لكنه تمسك بضرورة معالجة ملف الحدود بعد حصولها على الاستقلال.
وفي 6 يوليوز 1961، وقع الملك الحسن الثاني وفرحات عباس، رئيس الحكومة المؤقتة للجمهورية الجزائرية، اتفاقا بالرباط. وأقر الاتفاق بوجود مشكلة حدودية ناجمة عن الترسيم الاستعماري. كما نص على تشكيل لجنة مشتركة لمعالجتها بعد استقلال الجزائر.
لكن وصول أحمد بن بلة إلى السلطة لم يؤد إلى تفعيل هذا الالتزام بالشكل الذي كانت تنتظره الرباط.
وخلال زيارة الملك الحسن الثاني إلى الجزائر في مارس 1963، طرح على بن بلة ضرورة فتح ملف الحدود، بما في ذلك قضية تندوف. وقال الحسن الثاني، في تصريحات نقلتها وكالة الصحافة الفرنسية ونشرتها صحيفة «لوموند» يوم 26 أكتوبر 1963، إن الرئيس الجزائري طلب منه الانتظار إلى شتنبر أو أكتوبر، حتى يتمكن من تثبيت حكومته وإحكام السيطرة على الحزب.
وأضاف الملك أن بن بلة وعده بمناقشة الملف خلال تلك الفترة، مع التعهد بعدم التقيد بالحدود الحالية التي رسمتها الإدارة الفرنسية.
غير أن هذا الموعد لم يتحول إلى مفاوضات شاملة تنهي الخلاف. وظلت مسألة الحدود نقطة خلاف رئيسية بين الطرفين.
8 أكتوبر 1963.. هجوم على موقعين مغربيين ومقتل عشرة مغاربة
في الثامن من أكتوبر 1963، تعرض موقعا حاسي بيضاء وتنجوب لهجوم شنته وحدات من الجيش الوطني الشعبي الجزائري.
وكان الموقعان يضمان عناصر من القوات المساعدة المغاربة، وهم عناصر مساعدة مكلفة بمهام إدارية وأمنية. ولم يكونوا في وضعية قوة عسكرية نظامية مجهزة لمواجهة هجوم واسع تشنه وحدات عسكرية مدججة بالسلاح.
وتحدثت صحيفة «لوموند» في تقاريرها عن وجود هذه العناصر المغربية في الموقعين منذ استقلال المغرب. كما أضافت أن مهمتها كانت إدارية بالأساس، وأن الهجوم نفذته قوة جزائرية كبيرة ومسلحة.
وأسفر الهجوم عن مقتل عشرة مغاربة، فيما تمكنت القوات الجزائرية من السيطرة على الموقعين.
وتكتسب هذه التفاصيل أهمية خاصة عند تناول بداية الحرب. فالأمر لم يكن مواجهة متكافئة بين وحدتين عسكريتين متماثلتين في التجهيز والمهام، بل هجوما على موقعين مغربيين كانت تتولى حراستهما عناصر من القوات المساعدة.
وفي 10 أكتوبر، أشارت صحيفة «لوموند» إلى أن الهجوم وقع في أعقاب محادثات سياسية بين البلدين. كما نقلت أن الملك الحسن الثاني أوفد وزير الإعلام عبد الهادي بوطالب إلى الجزائر مباشرة بعد الحادث، في محاولة لاحتواء التصعيد.
ولم تقتصر التحركات المغربية على الجانب الدبلوماسي. فقد أصر الملك على استعادة الموقعين، بعد رفض القيادة الجزائرية إعادة الوضع إلى ما كان عليه.
الحسن الثاني يوفد مبعوثين إلى بن بلة قبل إصدار قرار استعادة الموقعين
بعد الهجوم، لم يتجه المغرب مباشرة إلى توسيع العمليات العسكرية. فقد أرسل الملك الحسن الثاني وزير الإعلام عبد الهادي بوطالب ومدير ديوانه العسكري إلى الجزائر.
وكانت المهمة تتمثل في إبلاغ أحمد بن بلة باعتراض المغرب على ما جرى، وتقديم حججه بشأن مغربية حاسي بيضاء وتنجوب، والمطالبة بمعالجة الوضع سياسيا.
لكن بن بلة، بحسب الرواية التي قدمها الحسن الثاني خلال مؤتمره الصحفي بمراكش يوم 24 أكتوبر، رفض الموقف المغربي بشأن الموقعين.
وعندها قرر المغرب استعادتهما بالقوة.
وفي 14 أكتوبر، شنت القوات المسلحة الملكية عملية عسكرية لاسترجاع حاسي بيضاء وتنجوب. ونقلت «لوموند» تفاصيل العملية عن مراسل وكالة الصحافة الفرنسية، الذي استند في روايته إلى إفادات قادة عسكريين مغاربة.
ووفق تلك الرواية، شارك نحو ألف جندي مغربي في العملية، بقيادة الكولونيل حبيبي. وتقدمت القوات خلال الليل، قبل أن تبدأ الهجوم عند الخامسة والنصف صباحا باستخدام قذائف الهاون والرشاشات الثقيلة.
واستمرت المعارك عدة ساعات. وانتهت بتراجع القوات الجزائرية، التي تركت أسرى في يد القوات المغربية، وفق الرواية الميدانية التي نشرتها الصحيفة.
وأعلن المغرب استعادة الموقعين، بينما نفت الجزائر في البداية انسحاب قواتها، وقالت إن وحداتها ما زالت تسيطر عليهما.
رسالة الحسن الثاني إلى بن بلة.. احتجاج على الهجوم واتساع العمليات
لم يتوقف التراسل السياسي بين القيادتين عند أحداث حاسي بيضاء وتنجوب.
فبعد الهجوم الجزائري على موقع إيش، قرب فجيج، وجه الملك الحسن الثاني برقية احتجاج إلى الرئيس أحمد بن بلة يوم 18 أكتوبر 1963، بحسب ما نشرته صحيفة «لوموند» في 21 أكتوبر.
وأوضح الملك في رسالته أن القوات الجزائرية هاجمت موقع إيش، الذي كان يضم نحو 35 عنصرا من القوات المساعدة المغربية، مسلحين بأسلحة فردية بسيطة.
واعتبر أن هؤلاء تعرضوا لهجوم مخطط نفذته وحدات جزائرية عديدة، مجهزة بأسلحة ثقيلة ووسائل تدمير قوية.
كما أشار إلى معلومات عن تحليق الطيران الجزائري فوق الأراضي المغربية وقصف مناطق مغربية.
وشدد الحسن الثاني في البرقية على أن المواقع التي تعرضت للهجوم لا تدخل ضمن المناطق التي كان المغرب والجزائر يتنازعان بشأنها. واعتبر أن استهدافها يمثل تصعيدا يتجاوز الحوادث الحدودية، وقد يؤدي إلى تعميم الحرب.
وطالب بن بلة بتحمل مسؤوليته في وقف هذه العمليات، محذرا من عواقبها على البلدين والمنطقة.
وتكتسب هذه البرقية أهمية في توثيق الموقف المغربي من توسع العمليات العسكرية. كما تكشف أن الرباط كانت تميز بين المناطق التي يثار بشأنها خلاف حدودي، والمواقع الواقعة داخل الأراضي المغربية التي لم تكن محل نزاع.
أزمة بن بلة الداخلية.. تمرد القبائل والصراع على السلطة
اندلعت حرب الرمال في ظرف داخلي بالغ الحساسية بالنسبة للجزائر.
فمنذ الاستقلال سنة 1962، كانت البلاد تعيش تداعيات الصراع بين قيادة أركان جيش التحرير الوطني، بقيادة هواري بومدين، وعدد من القيادات التاريخية للثورة.
وكان صعود أحمد بن بلة إلى الرئاسة قد تم بدعم من قيادة الأركان. لكن الخلافات السياسية لم تنته بوصوله إلى السلطة.
وفي سبتمبر 1963، دخلت جبهة القوى الاشتراكية، بقيادة حسين آيت أحمد، في تمرد مسلح ضد الحكومة المركزية. وامتدت المواجهة إلى منطقة القبائل، لتضع النظام أمام تحد أمني داخلي متزامن مع الأزمة الحدودية مع المغرب.
وتكشف وثيقة استخباراتية أمريكية مؤرخة في 27 نوفمبر 1963 أن واشنطن كانت تتابع هذه التطورات عن كثب.
وأشار التقييم الأمريكي إلى أن بن بلة كان يواجه تحديات سياسية وعسكرية، وأن مستقبل نظامه يرتبط إلى حد كبير بقدرته على الحفاظ على تماسك الجيش واستقرار الوضع الاقتصادي.
لكن الوثيقة لم تقدم دليلا قاطعا على أن القيادة الجزائرية افتعلت الحرب مع المغرب للتغطية على التمرد الداخلي. ويمكن، في المقابل، قراءة التطورات في سياق الضغوط التي كانت تواجهها السلطة الجزائرية خلال تلك المرحلة.
مصر وكوبا تدخلان على خط الحرب
سرعان ما تجاوزت المواجهة حدود البلدين، لتتحول إلى ساحة للتنافس الإقليمي والدولي خلال الحرب الباردة.
وكانت الجزائر قد تلقت دعما من مصر بقيادة جمال عبد الناصر، التي أرسلت عسكريين ومستشارين ومساعدات عسكرية لدعم الجيش الجزائري.
ومن أبرز الوقائع المرتبطة بهذا الدعم أسر خمسة ضباط مصريين في أكتوبر 1963.
فقد أعلنت السلطات المغربية أسرهم بعد هبوط مروحية جزائرية كانت تقلهم داخل الأراضي المغربية. ونشرت صحيفة «لوموند» أسماء الضباط، مشيرة إلى أن بينهم العقيد عباس شاهين والمقدم عبد الخالق عطية والنقيب فاروق عبد الحميد الفقي والنقيب أحمد فؤاد الهوادي والنقيب رضا صابر صبري.
كما كان على متن المروحية أربعة عسكريين جزائريين.
وأثار وجود هؤلاء الضباط تساؤلات بشأن طبيعة المهمة المصرية داخل الجزائر. وقال الحسن الثاني إن أفراد البعثة كانوا يشاركون في مساعدة الجيش الجزائري وتقديم الخبرة العسكرية.
أما الدعم الكوبي، فقد اتخذ بعدا أكثر مباشرة.
فقد قرر فيدل كاسترو إرسال قوة عسكرية لمساندة الجزائر. وشملت المساعدات دبابات من طراز T-34 ومدفعية ومعدات عسكرية، إلى جانب أطقم ومستشارين كوبيين.
ووصلت هذه التجهيزات على متن سفن إلى ميناء وهران. كما تحدثت دراسات تاريخية عن إعداد خطة عسكرية كوبية عرفت باسم «عملية الكرامة» (Operation Dignity)، بهدف دعم القوات الجزائرية في حال اتساع العمليات.
ولم تتحول الخطة إلى هجوم واسع، بعد تقدم جهود الوساطة والتوصل إلى وقف إطلاق النار.
لماذا لم يتجه الحسن الثاني إلى احتلال تندوف؟
على المستوى الميداني، حققت القوات المغربية تقدما في مناطق متعددة من الجبهة الجنوبية. ووصلت وحدات منها إلى محيط تندوف.
لكن الملك الحسن الثاني لم يتجه إلى تحويل هذا التقدم إلى احتلال دائم للمدينة.
وتشير روايات تاريخية إلى وجود تباين في التقدير بين القيادة السياسية وبعض القادة العسكريين المغاربة. فقد كان هناك توجه نحو مواصلة الضغط الميداني لتسوية الخلاف الحدودي من موقع قوة.
في المقابل، كان الحسن الثاني يدرك أن احتلال تندوف سيغير طبيعة الحرب. وقد يفتح الباب أمام تدخلات خارجية أكبر، ويضع المغرب أمام ضغوط سياسية ودبلوماسية واسعة.
كما كانت هناك مخاوف من استنزاف عسكري طويل، في منطقة صحراوية واسعة وصعبة الإمداد.
لذلك فضّل الملك الحفاظ على المكاسب العسكرية دون تحويلها إلى احتلال دائم للأراضي الجزائرية.
وكان هذا القرار مرتبطا أيضا بحسابات الوساطة الإفريقية، التي بدأت تتبلور في تلك الفترة.
اتفاق باماكو يوقف الحرب
مع اتساع المواجهة، تحرك الرئيس المالي موديبو كيتا والإمبراطور الإثيوبي هيلا سيلاسي لاحتواء النزاع.
وأفضت جهود الوساطة إلى اتفاق باماكو، الذي وقعه الملك الحسن الثاني والرئيس أحمد بن بلة يوم 30 أكتوبر 1963.
ونص الاتفاق على وقف إطلاق النار ابتداء من 2 نوفمبر، وإنشاء منطقة منزوعة السلاح في القطاع الصحراوي، مع تشكيل لجنة رباعية تضم المغرب والجزائر ومالي وإثيوبيا.
كما تقرر إرسال مراقبين ماليين وإثيوبيين لمتابعة تنفيذ الاتفاق.
وتؤكد مذكرة استخباراتية أمريكية مؤرخة في 30 أكتوبر هذه الترتيبات. لكنها أشارت إلى أن تطبيق الاتفاق قد يواجه صعوبات، خصوصا بسبب الخلاف حول انسحاب القوات المغربية من حاسي بيضاء وتنجوب.
وفي فبراير 1964، واصلت منظمة الوحدة الإفريقية معالجة تداعيات الحرب. وأصدر مجلس وزرائها قرارا في 29 فبراير أشاد فيه بجهود الوساطة الإفريقية.
وهكذا توقفت المواجهة العسكرية دون التوصل إلى تسوية نهائية للحدود.
حرب الرمال.. خلاف حدودي تحول إلى صراع إقليمي
لم تكن حرب الرمال مجرد اشتباك عسكري عابر بين دولتين خرجتا حديثا من الاستعمار.
فقد بدأت بهجوم على موقعين مغربيين، ثم اتسعت بفعل التصعيد العسكري والتدخلات الخارجية، قبل أن تتحول إلى أزمة إقليمية استدعت وساطة إفريقية ودولية.
كما كشفت الحرب عن خلاف عميق بشأن الحدود الموروثة عن الاستعمار، وعن اختلاف الرؤى السياسية بين الرباط والجزائر.
ورغم توقف القتال سنة 1963، استمر الملف الحدودي في التأثير على العلاقات الثنائية. ولم تصل الدولتان إلى اتفاق لترسيم الحدود إلا سنة 1972، عندما وقعتا اتفاقية جديدة بهذا الشأن.
وظلت حرب الرمال إحدى المحطات المؤسسة للتوتر المغربي الجزائري، بما خلفته من خسائر بشرية وعسكرية، وبما كشفته من صعوبة معالجة الملفات التاريخية العالقة بين البلدين.







تُراجع تعليقات القرّاء قبل ظهورها على الموقع.
التعليقات تعبّر عن آراء أصحابها، ولا تعبّر بالضرورة عن رأي أنفانيوز. نرحّب بالنقاش المحترم، ونحتفظ بحق عدم نشر التعليقات التي تتضمن إساءة أو تشهيراً أو بيانات شخصية.