الأكثر مشاهدة

للمرة الثالثة في 14 شهرا.. مستشار ترامب يعود إلى الجزائر والصحراء الغربية

عاد ملف الصحراء الغربية إلى واجهة التحركات الدبلوماسية الأمريكية في شمال إفريقيا، بالتزامن مع زيارة جديدة أجراها مسعد بولس، كبير مستشاري الرئيس الأمريكي دونالد ترامب، إلى الجزائر، في ثالث زيارة له إلى البلاد خلال فترة لم تتجاوز أربعة عشر شهرا.

وحل بولس بالعاصمة الجزائرية يوم الأحد 13 سبتمبر، في زيارة حملت معها مجموعة من الملفات السياسية والأمنية والاقتصادية، غير أن قضية الصحراء الغربية بقيت من أكثر القضايا حساسية في جدول المحادثات، رغم أن المسؤول الأمريكي لم يكشف علناً عن تفاصيل الموقف الذي جرى تبادله مع المسؤولين الجزائريين بشأنها.

وتكتسب الزيارة أهمية إضافية بسبب تكرار الاتصالات بين واشنطن والجزائر خلال فترة قصيرة، في وقت تحاول فيه الإدارة الأمريكية الدفع نحو تسريع المسار الدبلوماسي المرتبط بالنزاع الإقليمي، مع الحفاظ في الوقت نفسه على علاقاتها مع الجزائر باعتبارها دولة ذات وزن سياسي وأمني في المنطقة.

- Ad -

لقاءات رفيعة المستوى في الجزائر

بدأت زيارة بولس بلقاء وزير الخارجية الجزائري أحمد عطاف، حيث عقد الطرفان اجتماعا ثنائيا قبل أن تنضم وفود من البلدين إلى مباحثات موسعة.

وشملت المناقشات العلاقات الثنائية بين الجزائر والولايات المتحدة، إلى جانب سبل تطوير التعاون الاقتصادي وتعزيز الحوار الاستراتيجي بين واشنطن والجزائر.

لكن جدول المحادثات لم يقتصر على العلاقات الثنائية، إذ دخلت ملفات إقليمية حساسة إلى النقاش، وفي مقدمتها ليبيا ومنطقة الساحل والصحراء الغربية.

ورغم الإعلان عن هذه الملفات، لم تكشف السلطات الجزائرية أو الجانب الأمريكي عن تفاصيل المواقف التي طرحها كل طرف، ولا عن طبيعة النقاش الذي دار حول مستقبل قضية الصحراء.

وبعد لقائه بوزير الخارجية، استقبل الرئيس الجزائري عبد المجيد تبون المسؤول الأمريكي، في اجتماع يعكس المستوى السياسي الذي تحظى به الزيارة داخل الجزائر.

الصحراء حاضرة.. لكن دون تصريحات علنية

أحد أبرز جوانب الزيارة هو أن الصحراء الغربية كانت حاضرة ضمن الملفات التي ناقشها بولس مع المسؤولين الجزائريين، لكن من دون أن يقدم المستشار الأمريكي بعد انتهاء لقاءاته تصريحات علنية تفصل ما دار بشأن القضية.

هذا الصمت لا يعني بالضرورة حدوث تغيير في الموقف الأمريكي، لكنه يترك مساحة واسعة للتكهنات بشأن طبيعة الرسائل التي حملتها الزيارة إلى الجزائر.

فالولايات المتحدة كانت قد أعلنت في وقت سابق موقفا واضحا تجاه النزاع، حيث اعترفت بسيادة المغرب على الصحراء، كما دعمت مقترح الحكم الذاتي المغربي باعتباره أساساً لتسوية القضية.

وكان مسعد بولس نفسه قد أكد خلال زيارته الأولى إلى الجزائر في يوليو 2025 أن واشنطن ترى في الحكم الذاتي تحت السيادة المغربية حلاً للنزاع.

ومنذ ذلك الحين، لم يُعلن عن تحول رسمي في السياسة الأمريكية تجاه الملف.

ثلاث زيارات أمريكية إلى الجزائر

ما يجعل الزيارة الحالية لافتة هو أنها ليست اتصالا دبلوماسيا منفردا.

فقد سبق لبولس أن زار الجزائر في يوليو 2025، ثم عاد إليها في يناير 2026، قبل أن يقوم بزيارته الثالثة في سبتمبر من العام نفسه.

ويعكس تكرار الزيارات اهتمام واشنطن بالحفاظ على قناة اتصال مباشرة مع الجزائر، خصوصا في ظل الملفات الإقليمية المعقدة التي تمتلك فيها الجزائر تأثيراً مهماً، سواء في منطقة الساحل أو ليبيا أو في قضية الصحراء الغربية.

كما أن استمرار هذه الاتصالات يشير إلى رغبة أمريكية في إدارة العلاقة مع الجزائر بالتوازي مع موقف واشنطن المعروف بشأن الصحراء.

واشنطن تريد دفع المفاوضات إلى الأمام

ولا تبدو الإدارة الأمريكية راغبة في ترك ملف الصحراء مفتوحا دون أفق زمني واضح.

ففي تحركاته السابقة، دعا بولس الأطراف المعنية إلى تسريع المسار التفاوضي، مشدداً على أن استمرار العملية السياسية لفترة غير محدودة لم يعد خيارا مناسبا.

وتأتي هذه الدعوات في سياق محاولات أمريكية لدفع الأطراف نحو التوصل إلى تسوية سياسية، مع التركيز على ضرورة الانتقال من مرحلة إدارة النزاع إلى مرحلة البحث عن حل نهائي.

غير أن العقبات السياسية لا تزال قائمة، خصوصا مع استمرار التباين الكبير بين المواقف المرتبطة بمستقبل الصحراء الغربية.

ولهذا، فإن زيارة بولس إلى الجزائر يمكن أن تُقرأ في إطار محاولة واشنطن إبقاء خطوط الاتصال مفتوحة مع أحد الأطراف الأكثر تأثيراً في الملف، بدلاً من الاكتفاء بإعلان المواقف من بعيد.

إلى جانب الصحراء، حملت زيارة بولس ملفات أخرى ذات أهمية بالنسبة للولايات المتحدة.

فبعد لقاءاته في الجزائر، وصف المسؤول الأمريكي البلاد بأنها شريك مهم في مجال الأمن الإقليمي، في إشارة إلى الدور الذي تلعبه الجزائر في منطقة الساحل وشمال إفريقيا.

كما تحدث عن فرص التعاون أمام الشركات الأمريكية، وعن إمكانية تطوير العلاقات في مجال الطاقة.

وهذا الجانب الاقتصادي والطاقة قد يشكلان محورا مهما في العلاقة بين واشنطن والجزائر، خصوصا بالنظر إلى أهمية الجزائر كمصدر للطاقة وموقعها الجغرافي ودورها في أسواق الغاز.

وبالتالي، فإن العلاقة الأمريكية الجزائرية لا تختزل في قضية الصحراء، بل تشمل شبكة واسعة من المصالح الأمنية والاقتصادية والاستراتيجية.

هل تحمل الزيارة رسالة جديدة للمغرب والجزائر؟

غياب إعلان أمريكي جديد بشأن الصحراء بعد الزيارة يفرض التعامل بحذر مع أي حديث عن تغير في موقف واشنطن.

فالمعطيات المعلنة لا تشير إلى صدور قرار أمريكي جديد أو مبادرة مختلفة جذريا، كما لم يتم الإعلان عن اتفاق بين واشنطن والجزائر حول مستقبل القضية.

لكن مجرد إدراج الصحراء ضمن الملفات التي نوقشت خلال لقاءات بولس يؤكد أن القضية لا تزال تحتل موقعا مهما في الاتصالات الأمريكية الجزائرية.

وفي الوقت نفسه، فإن استمرار واشنطن في التواصل مع الجزائر لا يعني بالضرورة تراجعها عن موقفها تجاه المغرب، خصوصاً أن الاعتراف الأمريكي بسيادة المملكة على الصحراء لا يزال يشكل عنصراً أساسياً في السياسة الأمريكية المعلنة.

توازن أمريكي بين الجزائر والمغرب

وتواجه واشنطن معادلة دقيقة في شمال إفريقيا.

فمن جهة، ترغب الولايات المتحدة في الحفاظ على شراكتها الاستراتيجية مع المغرب، الذي تربطه بها علاقات أمنية وعسكرية واقتصادية واسعة، كما أن موقفها من قضية الصحراء يمثل أحد أبرز الملفات التي عززت بها واشنطن علاقتها بالرباط.

ومن جهة أخرى، تسعى إلى إبقاء قنوات التواصل مفتوحة مع الجزائر، التي تتمتع بثقل إقليمي مهم، خصوصا في ملفات الساحل والطاقة والأمن.

وهذا ما يفسر جزئيا تكرار زيارات المسؤول الأمريكي إلى الجزائر، رغم حساسية موقف الأخيرة من قضية الصحراء.

لا مبادرة جديدة.. لكن الاتصالات مستمرة

وفي نهاية الزيارة، لم يتم الإعلان عن مبادرة جديدة بشأن الصحراء الغربية، ولم تكشف واشنطن أو الجزائر عن نتائج محددة للمباحثات المتعلقة بهذا الملف.

لكن استمرار اللقاءات رفيعة المستوى بين المسؤول الأمريكي والقيادة الجزائرية يؤكد أن واشنطن تفضل مواصلة الحوار المباشر، خصوصاً مع اقتراب الملف من مرحلة تحتاج، وفق الرؤية الأمريكية المعلنة، إلى مزيد من الدفع السياسي نحو التسوية.

وهكذا، تأتي زيارة مسعد بولس الثالثة إلى الجزائر لتؤكد أن الصحراء الغربية لا تزال واحدة من الملفات الأساسية في الحسابات الأمريكية بشمال إفريقيا، حتى في غياب أي إعلان جديد.

وبينما تتمسك واشنطن بموقفها المعلن الداعم للحكم الذاتي تحت السيادة المغربية، تستمر في الوقت نفسه في التواصل مع الجزائر ومحاولة إشراكها في المسار السياسي.

والنتيجة أن زيارة سبتمبر لم تحمل، وفق ما أعلن، اختراقا جديدا في القضية، لكنها أظهرت أن الولايات المتحدة لا تزال تحاول إدارة الملف من خلال التواصل المباشر مع الجزائر، بالتوازي مع تمسكها بالموقف الذي أعلنته سابقا بشأن الحل السياسي للنزاع.

مقالات ذات صلة