الأكثر مشاهدة

صادرات المغرب الزراعية تحت المجهر الأوروبي.. أرقام المبيدات تكشف مفاجأة

رغم الحضور القوي للمنتجات الزراعية المغربية داخل السوق الأوروبية، فإن البيانات المتعلقة بإنذارات بقايا المبيدات تكشف معطى لافتا قد يغير صورة النقاش الدائر حول سلامة الفواكه والخضراوات المستوردة إلى الاتحاد الأوروبي.

فالمغرب، الذي أصبح واحداً من أبرز الموردين الخارجيين للسوق الأوروبية، يمثل حوالي 8 في المائة من واردات الاتحاد الأوروبي من الفواكه والخضراوات القادمة من خارج التكتل، غير أن المنتجات المغربية تسجل نسبة من التنبيهات المرتبطة بالمخالفات تقل عن الوزن الذي تمثله في التجارة الأوروبية.

وتستند هذه الخلاصة إلى تحليل للبيانات الأوروبية المتعلقة بالإنذارات الغذائية، إلى جانب أرقام التجارة الصادرة عن Eurostat وبيانات منظمة الأغذية والزراعة، ما يسمح بمقارنة حجم الصادرات مع عدد حالات عدم المطابقة التي يتم رصدها.

- Ad -

المغرب ضمن كبار موردي أوروبا

تكتسب هذه المعطيات أهمية خاصة بالنظر إلى المكانة التي يحتلها المغرب في تجارة المنتجات الزراعية مع الاتحاد الأوروبي.

فالمملكة تأتي ضمن أكبر المصدرين للفواكه والخضراوات إلى السوق الأوروبية من خارج الاتحاد، بحصة تناهز 8 في المائة من الواردات التي شملها التحليل.

وتضع هذه النسبة المغرب خلف عدد من كبار الموردين، من بينهم مصر والإكوادور وكوستاريكا، مع اختلاف ترتيب الدول بحسب حجم الواردات والمنتجات التي تدخل ضمن كل فئة.

لكن اللافت ليس حجم الصادرات المغربية في حد ذاته، وإنما العلاقة بين هذا الحجم وعدد التنبيهات التي تسجلها السلطات الأوروبية بشأن المنتجات القادمة من المملكة.

فكلما ارتفع حجم الواردات، يكون من الطبيعي أن ترتفع معها احتمالات اكتشاف حالات عدم مطابقة، غير أن البيانات المشار إليها تُظهر أن المغرب لا يظهر في التنبيهات بنسبة تتناسب مع حصته التجارية.

تركيا ومصر في وضع مختلف

وتصبح الصورة أكثر وضوحاً عند مقارنة المغرب ببعض كبار الموردين الآخرين.

ففي حالة تركيا، تشير البيانات إلى أن المنتجات التركية تمثل حوالي 5 في المائة من الواردات التي شملها التحليل، لكنها ترتبط بنحو 20 في المائة من عمليات الضبط.

أما مصر، فتظهر مفارقة أخرى، إذ تمثل صادراتها حوالي 10 في المائة من حجم الواردات في البيانات التجارية المعتمدة، بينما تصل حصتها من الإنذارات إلى حوالي 16 في المائة.

وتعني هذه الأرقام أن بعض الدول تظهر في سجلات الرقابة بنسبة تفوق وزنها الفعلي داخل التجارة الأوروبية، في حين يبدو حضور دول أخرى، ومنها المغرب، أقل من حصتها التجارية.

وهذا لا يعني بطبيعة الحال أن المنتجات المغربية خالية من المخالفات، وإنما يشير إلى أن معدل ظهورها في التنبيهات لا يتناسب بشكل مباشر مع حجم حضورها في السوق.

وخلال عام 2025، سجل نظام الإنذار الأوروبي المختص بالأغذية والأعلاف 491 إنذارا مرتبطة بالفواكه والخضراوات القادمة من دول خارج الاتحاد الأوروبي.

وتسمح هذه البيانات للسلطات الأوروبية برصد المنتجات التي قد تشكل خطراً أو لا تستجيب للمعايير المعمول بها، قبل اتخاذ الإجراءات المناسبة بشأنها.

ويكتسب هذا النظام أهمية كبيرة بالنسبة للتجارة الزراعية الدولية، لأن أي تكرار للمخالفات المتعلقة بمنتج معين أو بلد معين يمكن أن يؤدي إلى تشديد إجراءات الرقابة على الشحنات القادمة منه.

وفي المقابل، فإن انخفاض عدد التنبيهات لا يعني بالضرورة غياب الرقابة، بل يمكن أن يكون مؤشرا على ارتفاع مستوى الامتثال لدى الموردين أو على اختلاف طبيعة المنتجات والمخاطر المرتبطة بها.

وتشير البيانات إلى أن حوالي 45 في المائة من عمليات الضبط التي جرى تحليلها كشفت عن وجود بقايا لمواد لا يسمح باستخدامها في الزراعة داخل الاتحاد الأوروبي.

غير أن المسألة لا تتوقف فقط عند معرفة ما إذا كانت مادة معينة مسموحة أو محظورة، إذ تعتمد السلطات الأوروبية بشكل أساسي على نظام يعرف باسم الحدود القصوى لمتبقيات المبيدات، أو MRLs.

ويحدد هذا النظام الكمية القصوى المسموح بوجودها من بقايا مادة معينة داخل المنتج الغذائي الذي يتم تسويقه في السوق الأوروبية.

وبالتالي، يمكن أن تكون المادة مستخدمة في بلد المنشأ بشكل قانوني، لكن تجاوز الحد الأوروبي المسموح به قد يؤدي إلى اعتبار الشحنة غير مطابقة للمعايير المطلوبة.

وهنا تكمن إحدى أكثر النقاط حساسية بالنسبة للمصدرين، خصوصاً مع استمرار الاتحاد الأوروبي في تطوير قواعده المتعلقة باستخدام المبيدات والحدود القصوى لمتبقياتها.

كيف تتم مراقبة المنتجات القادمة إلى أوروبا؟

لا تبدأ الرقابة الأوروبية عند وصول المنتجات إلى المتاجر، بل تبدأ قبل ذلك من خلال الوثائق المرافقة للشحنات.

وتخضع المستندات المتعلقة بالمنتج والشحنة والمنشأ للمراجعة، قبل إجراء عمليات التحقق من الهوية والفحوصات المادية والتحاليل المخبرية وفق نظام قائم على تقييم المخاطر.

ولا تخضع جميع الشحنات للمستوى نفسه من الرقابة، إذ يمكن أن تختلف وتيرة وطبيعة الفحوصات بحسب المنتج وبلد المنشأ والمخاطر المرتبطة به.

وتوجد كذلك فئات من المنتجات تخضع لضوابط إلزامية أكثر تشدداً، وتشمل هذه الإجراءات بشكل خاص بعض المنتجات القادمة من دول مثل تركيا والهند ومصر وفيتنام.

وهذا يعني أن نظام الرقابة الأوروبي لا يعتمد على قاعدة واحدة تطبق بالطريقة نفسها على جميع البلدان، وإنما يستخدم منهجا قائما على مستوى المخاطر التي تحددها السلطات المختصة.

لماذا تهم هذه الأرقام المغرب؟

بالنسبة إلى المغرب، تأتي هذه المعطيات في توقيت حساس، في ظل تزايد النقاش حول مستقبل صادراته الزراعية إلى أوروبا.

فالفواكه والخضراوات المغربية أصبحت حاضرة بشكل واسع في الأسواق الأوروبية، وتعد إسبانيا وفرنسا وهولندا وغيرها من الوجهات المهمة لهذه المنتجات.

ومع توسع الصادرات، تصبح مسألة احترام المعايير الأوروبية المتعلقة بالمبيدات وسلامة الأغذية عاملاً أساسياً في الحفاظ على القدرة التنافسية للمصدرين المغاربة.

وأي تشديد جديد في الحدود القصوى المسموح بها لبقايا بعض المواد يمكن أن يفرض على المنتجين والمصدرين تعديلات إضافية في طرق الزراعة والمعالجة والمراقبة.

لكن البيانات المتعلقة بالإنذارات تقدم في الوقت نفسه مؤشرا إيجابيا بالنسبة إلى المغرب، إذ تظهر أن حجم التنبيهات المرتبطة بالمنتجات المغربية أقل من الحصة التي تمثلها المملكة في واردات الاتحاد الأوروبي.

ويظل احتمال تشديد القواعد الأوروبية الخاصة بالمبيدات أحد الملفات التي تحظى باهتمام كبير لدى القطاع الزراعي المغربي.

فحتى عندما تكون الشحنة مطابقة للمعايير الحالية، فإن تغيير الحدود القصوى لبعض المواد يمكن أن يفرض على المنتجين البحث عن بدائل، أو تقليص استخدام بعض المبيدات، أو اعتماد تقنيات جديدة لمكافحة الآفات.

وقد يؤدي ذلك إلى ارتفاع تكاليف الإنتاج والمراقبة، خصوصا بالنسبة إلى المزارع التي تستهدف الأسواق الأوروبية التي تفرض متطلبات صارمة.

كما أن المصدرين مطالبون ليس فقط بضمان جودة المنتجات، وإنما أيضا بالقدرة على إثبات مطابقتها للمعايير من خلال الوثائق والتحاليل والشهادات المطلوبة.

وفي السوق الأوروبية، لا تتحدد المنافسة بين المغرب وموردي الفواكه والخضراوات الآخرين بالسعر أو حجم الإنتاج فقط.

فالقدرة على احترام المعايير الصحية والبيئية أصبحت جزءا أساسيا من القدرة على الوصول إلى المستهلك الأوروبي.

ومن هذه الزاوية، فإن انخفاض معدل التنبيهات المرتبطة بالمنتجات المغربية مقارنة بحجم حضورها التجاري يمكن أن يشكل عنصراً مهماً في تعزيز صورة المغرب كمورد قادر على الاستجابة لمتطلبات السوق الأوروبية.

لكن الحفاظ على هذه المكانة يتطلب استمرار الاستثمار في أنظمة المراقبة وتتبع المنتجات، وتطوير طرق الزراعة، والتكيف السريع مع أي تعديلات مستقبلية في القواعد الأوروبية.

المغرب أمام اختبار جديد

وبينما تستمر المملكة في توسيع صادراتها الزراعية نحو أوروبا، يبدو أن المعركة المقبلة لن تكون مرتبطة فقط بزيادة الكميات المصدرة، وإنما أيضاً بقدرة المنتجين على مواكبة المعايير المتغيرة.

وتُظهر البيانات المتاحة أن المغرب، رغم كونه من كبار الموردين، لا يظهر في التنبيهات الأوروبية بمستوى يتناسب مع حصته من الواردات، وهو معطى يمنحه نقطة إيجابية في خضم النقاش حول سلامة المنتجات الزراعية القادمة من خارج الاتحاد.

غير أن هذا الوضع لا يعني أن الطريق سيكون سهلا. فالاتحاد الأوروبي يواصل تطوير منظومته الرقابية، كما أن ملف المبيدات أصبح أكثر حساسية بالنسبة للمستهلكين والسلطات الأوروبية.

وبالنسبة للمصدرين المغاربة، فإن الحفاظ على موقعهم داخل السوق الأوروبية سيتطلب الاستمرار في رفع مستوى الجودة والرقابة والتتبع، لأن أي تغيير في القواعد قد يحول المعايير الصحية والبيئية إلى أحد أهم محددات المنافسة في تجارة الفواكه والخضراوات خلال السنوات المقبلة.

مقالات ذات صلة