رغم مرور أكثر من ستة عقود على دخولها الخدمة في الجيش الأمريكي، لا تزال مدافع M102 عيار 105 ملم حاضرة ضمن منظومة المدفعية التي تحتفظ بها القوات المسلحة الملكية المغربية، في مؤشر على استمرار الاعتماد على بعض المعدات المجربة بالتوازي مع عملية واسعة لتحديث القدرات العسكرية.
وأعاد طلب أمريكي حديث لتوفير قطع غيار مخصصة لهذا النوع من المدافع تسليط الضوء على استمرار الدعم اللوجستي للمعدات القديمة التي توجد لدى المغرب. فقد طرحت وكالة دعم الإمداد الدفاعي الأمريكية، المعروفة اختصارا بـ DLA، طلبا لتقديم عروض من أجل توريد 19 قطعة ميكانيكية مرتبطة بمدافع M102 ومنصة إطلاقها M6، على أن تكون الوجهة النهائية للشحنة هي مدينة الدار البيضاء.
19 قطعة غيار تكشف استمرار الدعم الأمريكي
يتعلق الطلب الأمريكي بقطع تعرف تقنياً باسم أعمدة التروس الدودية، وتحمل الرقم المرجعي NSN 3040-01-149-5950، وهي مكونات مرتبطة بمنظومة المدفع M102 ومنصة M6 التي يستخدمها.
ومن المقرر أن تمر القطع المطلوبة عبر وسيط في ولاية فرجينيا الأمريكية قبل شحنها إلى المغرب، بينما حدد يوم 14 سبتمبر 2026 موعدا نهائيا لتقديم العروض.
ولم يتم الكشف، حتى الآن، عن القيمة المالية للعقد أو هوية الشركة التي ستفوز به.
ورغم أن الكمية المطلوبة لا تبدو كبيرة، فإن أهميتها تكمن في طبيعة المعدات التي صممت هذه القطع لخدمتها، إذ تشير إلى أن بعض مدافع M102 الموجودة لدى القوات المسلحة الملكية لا تزال تحظى بعمليات صيانة ودعم لوجستي.
مدفع ولد في ستينيات القرن الماضي
يعود تاريخ M102 إلى حقبة الحرب الباردة، بعدما دخل الخدمة في الجيش الأمريكي سنة 1965.
وبعد وقت قصير، بدأ استخدامه في فيتنام، حيث وصلت هذه المدافع إلى الوحدات الأمريكية المنتشرة هناك ابتداءً من عام 1966.
وصُمم M102 أساسا ليكون مدفعا خفيف الوزن وسهل النقل، بما يسمح بتحريكه بواسطة المروحيات والوحدات العسكرية في المناطق التي يصعب الوصول إليها بالمعدات الثقيلة.
وكان الهدف من تطويره توفير بديل أكثر مرونة للمدفع M101A1، مع الحفاظ على القدرة على تقديم نيران المدفعية الميدانية.
وهكذا، فإن المدفع الذي يحصل المغرب اليوم على قطع غيار له يعود تصميمه إلى فترة كانت فيها طبيعة الحروب والتكنولوجيا العسكرية مختلفة تماما عما هي عليه في الوقت الحالي.
قدرات محدودة مقارنة بالأنظمة الحديثة
يبلغ وزن مدفع M102 حوالي 1.5 طن، وهو ما كان يمنحه ميزة مهمة من ناحية سهولة النقل مقارنة بأنظمة مدفعية أثقل.
كما تسمح منصة M6 للمدفع بالدوران بزاوية تصل إلى 360 درجة، بينما يبلغ مداه الاعتيادي حوالي 11.5 كيلومترا.
ويمكن أن يتجاوز مدى إطلاقه 15 كيلومتراً عند استخدام أنواع معينة من الذخائر.
لكن هذه القدرات تظل محدودة عند مقارنتها بأنظمة المدفعية والصواريخ الحديثة التي تمتلكها الجيوش المتطورة، خصوصاً تلك التي تعتمد على أنظمة توجيه دقيقة ومديات بعيدة وقدرات متقدمة على تحديد الأهداف.
ولهذا السبب، استُبدل M102 في الجيش الأمريكي تدريجياً بمدافع أكثر حداثة، من بينها M119.
ومع ذلك، لم يؤد خروج المدفع من الخدمة الأمريكية إلى اختفائه عالمياً، إذ استمرت دول عدة في استخدامه وإجراء عمليات صيانة وتحديث لمكوناته.
ماذا تكشف الصفقة عن الترسانة المغربية؟
من المهم عدم المبالغة في تفسير طلب قطع الغيار.
فوجود طلب أمريكي لتوفير 19 مكونا لا يسمح بتحديد عدد مدافع M102 التي لا تزال في حوزة القوات المسلحة الملكية، كما أن عدد قطع الغيار المطلوبة لا يعني بالضرورة وجود 19 مدفعاً عاملاً.
فالقطع المطلوبة هي مكونات ميكانيكية محددة، ويمكن أن تستخدم للصيانة الدورية أو لإصلاح معدات موجودة بالفعل.
وبالتالي، فإن المعطى الأكثر وضوحا هو استمرار وجود منظومة لوجستية تسمح بالحفاظ على بعض هذه المدافع قيد الاستخدام أو الاحتياط، وليس حجم الأسطول المغربي من هذا الطراز.
المغرب لا يتخلى عن القديم دفعة واحدة
وتأتي صيانة مدافع M102 في وقت تعمل فيه المملكة على تحديث قدراتها في مجال المدفعية والصواريخ.
وهذا يعني أن القوات المسلحة الملكية لا تعتمد على خيار استبدال جميع الأنظمة القديمة في وقت واحد، وإنما يبدو أنها تتجه إلى الجمع بين المعدات المجربة والأنظمة الجديدة التي توفر قدرات أكبر ومديات أبعد.
ويعد هذا النهج مفهوما من الناحية اللوجستية، إذ إن الاحتفاظ بمعدات قديمة قابلة للتشغيل يمكن أن يوفر قدرة إضافية بتكلفة أقل، خصوصاً عندما تكون عمليات الصيانة وقطع الغيار متاحة.
في المقابل، يمكن إدخال الأنظمة الحديثة تدريجياً دون الحاجة إلى إخراج جميع المعدات السابقة من الخدمة في الوقت نفسه.
وفي الجهة المقابلة تماما من منظومة المدفعية القديمة، يستعد المغرب للحصول على أنظمة أمريكية أكثر تطورا، من بينها راجمات الصواريخ HIMARS.
وبحسب المعطيات المتداولة، من المنتظر أن تتسلم المملكة 10 راجمات HIMARS خلال عام 2027.
ويمثل هذا النظام قفزة كبيرة مقارنة بقدرات M102، سواء من حيث المدى أو الدقة أو طبيعة الذخائر والقدرة على استهداف مواقع بعيدة.
وهنا تظهر صورة أوضح للتحول الذي تشهده المدفعية المغربية: معدات تعود إلى ستينيات القرن الماضي لا تزال تحظى بالصيانة، بالتزامن مع إدخال أنظمة صاروخية حديثة قادرة على تنفيذ ضربات بعيدة المدى.
من مدافع حرب فيتنام إلى أنظمة الجيل الجديد
الفارق الزمني بين M102 وHIMARS يعكس حجم التحول الذي عرفته التكنولوجيا العسكرية خلال العقود الماضية.
فالمدفع الأمريكي القديم يعتمد على منظومة مدفعية تقليدية، بينما تنتمي راجمات HIMARS إلى جيل مختلف من الأسلحة، يعتمد بدرجة أكبر على الدقة والسرعة والقدرة على ضرب أهداف بعيدة.
ومع ذلك، فإن وجود النظامين ضمن منظومة واحدة لا يعني بالضرورة تناقضا.
فالمدفعية التقليدية يمكن أن تؤدي أدوارا مختلفة عن راجمات الصواريخ بعيدة المدى، كما أن الاحتفاظ بمعدات قديمة قابلة للتشغيل قد يكون مفيدا في بعض السيناريوهات العملياتية أو التدريبية.
استمرار العلاقة اللوجستية بين المغرب والولايات المتحدة
وتسلط عملية توفير قطع الغيار الضوء أيضا على جانب آخر من التعاون العسكري المغربي الأمريكي، وهو جانب الدعم والصيانة.
فالتعاون العسكري لا يقتصر على بيع الأسلحة والأنظمة الجديدة، وإنما يشمل كذلك توفير قطع الغيار والخدمات اللوجستية والمحافظة على جاهزية المعدات الموجودة لدى القوات المسلحة.
ومن هذه الزاوية، فإن الطلب الأمريكي الأخير يمثل حلقة صغيرة ضمن سلسلة دعم أوسع تسمح للمغرب بالحفاظ على بعض معداته الأمريكية القديمة، حتى مع انتقاله تدريجيا إلى أنظمة أكثر حداثة.
بعد أكثر من ستين عاماً على دخوله الخدمة، لم يختف M102 بالكامل من المشهد العسكري المغربي.
وقد يبدو من اللافت أن مدفعا شارك في حرب فيتنام خلال ستينيات القرن الماضي لا يزال يستفيد من قطع غيار أمريكية في عام 2026، لكن استمرار بعض المعدات العسكرية لفترات طويلة ليس أمرا استثنائيا، خصوصا عندما تكون قابلة للصيانة وتؤدي وظائف لا تزال مطلوبة.
وفي الحالة المغربية، يأتي ذلك ضمن مرحلة انتقالية تجمع بين الحفاظ على بعض الأنظمة القديمة وإدخال معدات حديثة ذات قدرات أكبر.
وبذلك، يكشف طلب قطع الغيار الأخير عن صورة مزدوجة للمدفعية المغربية: معدات أمريكية عريقة لا تزال تحصل على الدعم والصيانة، وأنظمة صاروخية حديثة تستعد لدخول الخدمة لتوسيع مدى ودقة وقدرات القوات المسلحة الملكية.


