تشهد دول حوض البحر الأبيض المتوسط، منذ أسابيع، موجة واسعة من حرائق الغابات، في ظل ارتفاع درجات الحرارة وتوالي فترات الجفاف والرياح القوية، وهي عوامل ساهمت في انتشار النيران عبر عدد من الدول، من بينها إسبانيا واليونان وإيطاليا وفرنسا وتركيا وقبرص وسوريا ولبنان.
ورغم أن هذه الظاهرة أصبحت تتكرر كل صيف، فإن حجم الخسائر يختلف من دولة إلى أخرى بحسب جاهزية منظومات الوقاية وسرعة التدخل والإمكانات التقنية والبشرية المتوفرة لمواجهة الحرائق.
وفي هذا السياق، تبرز المقارنة بين المغرب والجزائر، باعتبارهما بلدين يتقاسمان ظروفا مناخية وجغرافية متشابهة، لكنهما يعتمدان مقاربتين مختلفتين في تدبير حرائق الغابات.
المغرب يقلص المساحات المتضررة رغم ارتفاع عدد الحرائق
تشير المعطيات الرسمية الصادرة عن الوكالة الوطنية للمياه والغابات إلى أن المغرب سجل، منذ بداية سنة 2026 وإلى غاية 20 يوليوز، نحو 310 حرائق غابوية، مقارنة بمتوسط سنوي بلغ 233 حريقا خلال السنوات السابقة، أي بزيادة تناهز 32 في المائة.
ورغم هذا الارتفاع في عدد الحرائق، فإن المساحات المتضررة سجلت تراجعا لافتا، إذ بلغت حوالي 1850 هكتارا، مقابل 2660 هكتارا كمعدل سابق، أي بانخفاض يقارب 30 في المائة.
وتوزعت المساحات المتضررة بين 832 هكتارا من الغطاء الغابوي الشجري و1018 هكتارا من التشكيلات النباتية الثانوية والأعشاب.
ويرجع هذا التطور، وفق المعطيات الرسمية، إلى تعزيز منظومة الرصد المبكر والتدخل السريع، إلى جانب تطوير وسائل مكافحة الحرائق، خاصة على المستوى الجوي.
أسطول “كنادير” يعزز سرعة التدخل
يعتمد المغرب على أسطول متخصص من طائرات “كنادير” المخصصة لإخماد حرائق الغابات، ويضم حاليا ثماني طائرات، إضافة إلى أسطول آخر من الطائرات الأصغر حجما من نوع “تيربو تراش” التي تقوم بدور مساعد، ما يمنحه قدرة كبيرة على التدخل السريع، خصوصا في المناطق الجبلية والوعرة التي يصعب الوصول إليها عبر الوسائل البرية.
وتتميز هذه الطائرات بإمكانية التحليق على ارتفاعات منخفضة، والتزود بالمياه في وقت وجيز، مع قدرة عالية على المناورة، والقيام بعدة إسقاطات للخزانات المائية في وقت وجيز.. إلخ، وهو ما يجعلها من أبرز الوسائل المستخدمة عالميا في مكافحة الحرائق.
كما تعتمد عدة دول متوسطية على هذا النوع من الطائرات، إذ تمتلك إسبانيا 14 طائرة “كنادير”، فيما تتوفر فرنسا على 12 طائرة، ما يسمح لها بإدارة عدة بؤر للحرائق في الوقت نفسه خلال فترات الذروة.
الجزائر تواجه خسائر أكبر رغم اتساع مساحتها الغابوية
في المقابل، ورغم امتلاك الجزائر واحدة من أكبر المساحات الغابوية في المنطقة، فإنها تواصل مواجهة حرائق واسعة خلال موسم الصيف.
وتشير المعطيات الواردة إلى أن حرائق سنة 2026 أتت على نحو 17 ألف هكتار من الغابات، بعد سنوات شهدت أيضا خسائر كبيرة، خاصة خلال صيف 2021 الذي خلف آلاف الهكتارات المحروقة وعشرات الضحايا.
وتعتمد الجزائر حاليا على طائرة واحدة فقط من طراز “بيريف بي إي-200” الروسية (كانت قد استأجرت طائرة ثانية من روسيا وأعادتها)، إضافة إلى مروحيات تابعة للجيش تستخدم في عمليات الإطفاء والنقل.
ورغم فعالية هذه الطائرات في بعض الظروف، فإن تقارير متخصصة تشير إلى أن طائرات “كنادير” تتمتع بمرونة أكبر في التضاريس الجبلية، إضافة إلى سرعة إعادة التزود بالمياه، وهو ما يمنحها أفضلية في مواجهة الحرائق الممتدة.
الاعتماد على الاستئجار يثير النقاش
ومن بين النقاط التي أثيرت بشأن الاستراتيجية الجزائرية، استمرار اللجوء خلال بعض المواسم إلى استئجار طائرات أجنبية للمساعدة في مكافحة الحرائق، وهو خيار تعتبره تقارير إعلامية حلا مؤقتا لا يوفر الاستجابة السريعة نفسها التي يتيحها امتلاك أسطول دائم.
كما سبق لمسؤولين جزائريين أن أشاروا إلى أن تكاليف استئجار الطائرات خلال موسم واحد قد تقترب من تكلفة اقتناء طائرات مخصصة بشكل دائم.
مبادرة مغربية للمساعدة خلال حرائق 2021
وخلال موجة الحرائق الكبيرة التي شهدتها الجزائر في صيف 2021، أعلن المغرب استعداده لإرسال طائرات “كنادير” للمساهمة في عمليات إخماد النيران، في إطار مبادرة إنسانية للتخفيف من آثار الكارثة.
غير أن السلطات الجزائرية لم تستجب لذلك العرض، واستمرت في اعتماد خيارات أخرى لمواجهة الحرائق، قبل أن تعلن لاحقا قطع العلاقات الدبلوماسية مع المغرب.
ومع تزايد تأثيرات التغيرات المناخية وارتفاع وتيرة موجات الحر، تبدو دول البحر الأبيض المتوسط مطالبة أكثر من أي وقت مضى بتعزيز قدراتها في مجال الوقاية والرصد والتدخل السريع، مع الاستثمار في الوسائل الجوية المتخصصة وتطوير أنظمة الإنذار المبكر، للحد من الخسائر البشرية والبيئية والاقتصادية التي تخلفها حرائق الغابات كل صيف.


