تستعد العاصمة الاقتصادية الدار البيضاء لاستقبال بعثة تجارية مصرية رفيعة المستوى في الفترة الممتدة ما بين 8 و12 يونيو 2026، وذلك في إطار تحركات تقودها القاهرة لتعزيز حضور منتجاتها الغذائية داخل السوق الوطنية. ووفقا لتقارير صادرة عن المجلس التصديري للصناعات الغذائية بمصر، فإن هذه البعثة تأتي بتعاون مع الغرفة الفرنسية للتجارة والصناعة بالمغرب، وتهدف إلى عقد لقاءات مباشرة مع أزيد من 200 مستورد وموزع مغربي لتعزيز الشراكات البينية.
ويرى المتابعون للشأن الاقتصادي أن السوق المغربي بات يشكل وجهة استراتيجية للمصدرين المصريين، خاصة مع تسجيل واردات المغرب الغذائية رقما ضخما بلغ نحو 9.6 مليار دولار في عام 2025. ورغم أن الصادرات المصرية نحو المغرب بلغت 192 مليون دولار في السنة المنصرمة، إلا أن القاهرة تراهن على مضاعفة هذا الرقم عبر استغلال أزيد من 213 فرصة تصديرية غير مستغلة في قطاعات الزيوت، التمور، الحلويات، والعصائر.
وتكشف المعطيات الرسمية المصرية عن وجود “فجوة تصديرية” واسعة داخل السوق المغربي يسعى الجانب المصري لملئها، حيث تصدر مصر فعليا للمغرب في 79 بندا جمركيا فقط من أصل 292 بندا تتقاطع فيها الصادرات المصرية مع احتياجات الاستيراد المغربية. ويعكس هذا التوجه رغبة الشركات المصرية في التوسع داخل سلاسل التجزئة والمساحات التجارية الكبرى، وكذا تزويد قطاع الفنادق والمطاعم بالمنتجات المصنعة والمعبأة ذات القيمة المضافة.
ولا ينظر المصدرون المصريون إلى المغرب كمجرد سوق استهلاكي، بل كبوابة استراتيجية ونقطة ارتكاز نحو أسواق غرب أفريقيا وأوروبا، مستفيدين من الموقع الجيوسياسي للمملكة واتفاقيات التجارة الحرة التي تجمع البلدين، وعلى رأسها اتفاقية “أكادير” ومنطقة التجارة الحرة العربية والقارية الأفريقية. ويساهم هذا الموقع المتميز للمغرب في جذب الشركات الساعية لنفاذ منتجاتها إلى مجالات جغرافية أوسع عبر المنصة اللوجستية المغربية.
ومن المنتظر أن تشمل زيارة البعثة التجارية في يونيو المقبل جولات ميدانية لأسواق التوزيع الكبرى، بهدف فهم بنية الطلب المغربي المتزايد على المنتجات الغذائية المتنوعة.
ميزان تجاري “مختل” يثير الجدل.. هل يستفيد المغرب فعليا من الاتفاقيات التجارية مع مصر؟
ومع توالي هذه الأنشطة الترويجية، تتعالى أصوات منتقدة داخل الأوساط الاقتصادية المغربية، تشير إلى وجود مفارقة صارخة في التعامل التجاري بين البلدين. ففي الوقت الذي يجد فيه المصدرون المصريون تسهيلات كبيرة لولوج السوق المغربية، يشكو الفاعلون المغاربة من عراقيل وصعوبات “غير جمركية” تحد من وصول المنتجات المغربية إلى الأسواق المصرية.
وقد أفرزت هذه الوضعية اختلالا كبيرا في الميزان التجاري لصالح مصر، حيث سجلت الصادرات المصرية للمغرب نحو 192 مليون دولار في عام 2025. وفي المقابل، لا تزال الصادرات المغربية نحو مصر تواجه تذبذبا يمنعها من تحقيق التوازن المطلوب، مما يغذي الانتقادات حول جدوى الاستمرار في فتح السوق الوطنية أمام منتجات تتمتع بمزايا تفضيلية دون معاملة بالمثل.
ويرى خبراء مغاربة أن المغرب، بفضل اتفاقيات “أكادير” ومنطقة التجارة العربية، أصبح يمثل “بوابة استراتيجية” ومنصة لوجستية تخدم المصالح المصرية للعبور نحو إفريقيا وأوروبا. غير أن هذه “البوابة المفتوحة” لم تترجم حتى الآن إلى مكاسب موازية للمقاولات المغربية، التي تجد نفسها أمام منافسة غير متكافئة في ظل غياب سياسة “المعاملة بالمثل” في تطبيق بنود التبادل الحر.
لذلك، فإن البعثة التجارية المرتقبة في الدار البيضاء، رغم طابعها التعاوني، تعيد طرح تساؤلات ملحة حول ضرورة مراجعة هيكل التجارة البينية. فالمطلب الحالي يتجاوز مجرد عقد لقاءات بين المستوردين والموزعين، ليصل إلى ضرورة تصحيح العجز التجاري وضمان وصول المنتجات المغربية إلى المستهلك المصري بنفس الانسيابية التي تحظى بها سلع “أرض الكنانة” في المملكة.


