يشهد المغرب خلال السنوات الأخيرة تحولا اقتصاديا عميقا غير ملامح موقعه داخل المنطقة، بعدما انتقل تدريجيا من اقتصاد يعتمد أساسا على الفلاحة والسياحة إلى نموذج يرتكز على الصناعة والتكنولوجيا والبنيات التحتية الكبرى، في مسار عزز حضوره كفاعل إقليمي مؤثر بين أفريقيا وأوروبا.
وفي هذا الإطار، اعتبر مركز “ستيمسون” الأمريكي، في تحليل حديث، أن المملكة أصبحت تمثل “قوة متوسطة” ذات تأثير متزايد على المستويين الاقتصادي والجيوسياسي، مستفيدة من الإصلاحات التي شهدتها البلاد خلال السنوات الأخيرة تحت قيادة الملك محمد السادس.
وساهمت الاستثمارات الصناعية الكبرى في تحويل المغرب إلى أحد أبرز المنتجين الصناعيين بالقارة الأفريقية، خصوصاً في قطاع السيارات، الذي بات يشكل ركيزة أساسية للاقتصاد الوطني، إلى جانب النمو المتسارع لصناعات الطيران والإلكترونيات، التي عززت جاذبية المملكة لدى الشركات الدولية.
كما لعب ميناء طنجة المتوسط دورا محوريا في هذا التحول، بعدما أصبح من أكبر الموانئ في البحر الأبيض المتوسط وأفريقيا، ومركزا لوجستيا يربط الأسواق الأوروبية والأفريقية بشبكات التجارة العالمية، ما منح المغرب موقعاً استراتيجياً في سلاسل التوريد الدولية.
وفي موازاة ذلك، تراهن الرباط بقوة على الطاقات المتجددة باعتبارها قطاع المستقبل، من خلال توسيع مشاريع الطاقة الشمسية وطاقة الرياح والهيدروجين الأخضر، ضمن استراتيجية تهدف إلى جعل المغرب مورداً رئيسياً للطاقة النظيفة نحو أوروبا، في ظل الطلب الأوروبي المتزايد على بدائل الطاقة المستدامة.
ويظل الاتحاد الأوروبي الشريك الاقتصادي الأبرز للمغرب، إذ يستقبل الجزء الأكبر من صادراته، بينما تواصل دول مثل فرنسا وإسبانيا وألمانيا تعزيز استثماراتها داخل المملكة، ما يعكس الثقة المتنامية في الاقتصاد المغربي ودوره المتصاعد داخل المنطقة.
هذا الزخم الاقتصادي والصناعي بات يواكب أيضاً تحركات دبلوماسية أكثر قوة، خاصة في ما يتعلق بملف الصحراء المغربية، الذي يشكل محوراً أساسياً في السياسة الخارجية للرباط، في ظل الدعم الدولي المتزايد لمقترح الحكم الذاتي تحت السيادة المغربية.
ورغم هذه المؤشرات الإيجابية، لا تزال المملكة تواجه تحديات معقدة قد تؤثر على وتيرة صعودها، أبرزها أزمة الإجهاد المائي، وارتفاع معدلات البطالة في صفوف الشباب، إضافة إلى اتساع حجم الاقتصاد غير المهيكل، فضلاً عن استمرار التوترات الجيوسياسية في المنطقة.
ويرى مراقبون أن قدرة المغرب على تجاوز هذه الإكراهات ستكون العامل الحاسم في ترسيخ مكانته كقوة اقتصادية وإقليمية وازنة خلال السنوات المقبلة، خاصة في ظل التحولات المتسارعة التي تعرفها المنطقة والعالم.


