الأكثر مشاهدة

محاكم تفتيش رقمية ضد محمد الفايد.. حين نفشل في مناقشة فكرة ونستبدلها بحملة لإسكات صاحبها

أعاد الجدل المثار حول تصريحات الدكتور محمد الفايد بشأن مفهوم أمية الرسول محمد إلى الواجهة سؤالا يتجاوز مضمون المنشور نفسه: كيف نتعامل في المغرب مع الأفكار التي تثير خلافا دينيا أو فكريا؟ وهل يكون الرد عليها بالحجة والنقاش، أم يتحول الاختلاف سريعا إلى حملات تشهير ومطالب بالمتابعة القضائية؟

لا يتعلق الأمر هنا بالدفاع عن صياغة الفايد أو تبني تفسيره. فمن حق المتخصصين والعلماء والباحثين أن ينتقدوا كلامه، وأن يبينوا ما يرونه خطأ في اللغة أو التفسير أو الاستدلال. بل إن التصحيح العلمي والديني يصبح أكثر أهمية كلما تعلق النقاش بمسائل تمس معتقدات الناس.

لكن شيئا آخر يحدث عندما ينتقل النقاش من تفنيد الفكرة إلى تحقير صاحبها. وصف الرجل بـ”العشاب” بسبب طبيعة تخصصه، مثلا، لا يقدم دليلا على خطأ ما قاله، تماما كما أن شهرته أو صفته الأكاديمية لا تمنح أفكاره حصانة من النقد.

- Ad -

السؤال ليس جريمة.. والحجة أقوى من التشهير

المشكلة التي تكشفها هذه القضية أعمق من شخص الفايد. المجتمعات التي تتقدم علميا وفكريا هي التي تتعامل مع الأسئلة الصعبة باعتبارها فرصة للتوضيح والتصحيح، لا باعتبارها تهديدا يستوجب إسكات صاحبها.

التاريخ مليء بأمثلة لمفكرين اختلف معهم معاصروهم، وواجه بعضهم حملات قاسية بسبب أفكارهم. ويكفي استحضار ابن رشد بوصفه مثالا على مفكر أثارت أفكاره جدلا كبيرا في زمانه، قبل أن يتحول لاحقا إلى أحد أبرز الأسماء في تاريخ الفكر والفلسفة.

لكن المقارنة لا تعني مساواة الفايد بابن رشد في المكانة أو المشروع الفكري، وإنما تستحضر آلية التعامل مع الاختلاف: هل نرد على الفكرة، أم نحول صاحبها إلى خصم يجب إسقاطه اجتماعيا؟

المطلوب: محاكمة الفكرة بالحجة

الدرس الأهم من هذه القضية هو أن المجتمع لا يستفيد من تحويل كل خلاف فكري إلى معركة شخصية.

إذا كان الفايد مخطئا في تفسيره، فإن أفضل رد عليه هو تفكيك كلامه، وشرح الخطأ، وتقديم الأدلة، ووضع المسألة في سياقها اللغوي والعقدي والتاريخي.

وإذا كان هناك اعتقاد بأن كلاما معينا يشكل مخالفة قانونية، فالمسار الطبيعي هو اللجوء إلى المؤسسات المختصة، لا إطلاق حملات التشهير والضغط الشعبي.

حرية التعبير لا تعني أن كل فكرة صحيحة، كما أن رفض فكرة معينة لا يعني تلقائيا أن صاحبها يجب أن يتحول إلى هدف للتشهير.

المجتمع الذي يحترم العلم والدين معا هو الذي يستطيع أن يقول للفرد: يمكننا أن نختلف معك بشدة، وأن نرى كلامك خاطئا، وأن نرد عليك بالحجة، من دون أن نفقد احترامنا لقواعد النقاش والقانون.

وهنا تكمن القضية الحقيقية التي أثارها الجدل حول محمد الفايد: ليس فقط ماذا قال، وإنما كيف نريد نحن أن نتعامل مع الأفكار التي لا تعجبنا؟

مقالات ذات صلة