الأكثر مشاهدة

تقرير إسباني: المغرب يعزز قدراته للسيطرة على مضيق جبل طارق ويطور دفاعات قادرة على تهديد العمق الإسباني

أثارت صحيفة “إل إسبانيول” الإسبانية، المعروفة بخطها التحريري الحاد تجاه المغرب في عدد من الملفات المرتبطة بسبتة ومليلية والعلاقات المغربية الإسبانية، نقاشا جديدا حول التحولات العسكرية والاستراتيجية في شمال المملكة، بعدما نشرت اليوم الثلاثاء 1 شتنبر 2026 تقريرا مطولا تحدثت فيه عن تعزيز الحضور العسكري المغربي شمالا، واستمرار أشغال قاعدة عسكرية في جبل كوروغو بالقرب من مليلية، وربطت هذه التطورات بالدور الأمريكي في دعم القدرات العسكرية المغربية.

التقرير الذي أعدته الصحافية سونيا مورينو حمل عنوانا لافتا: “المغرب يواصل اتخاذ خطوات للسيطرة على المضيق بدعم من الولايات المتحدة: قاعدة عسكرية في كوروغو وتعزيزات في الشمال”، وهو عنوان يضع منذ البداية التطورات العسكرية المغربية ضمن قراءة جيوسياسية أوسع تتعلق بمستقبل السيطرة على مضيق جبل طارق.

لكن أهمية التقرير لا تكمن فقط في مضمونه، بل أيضا في طبيعة المصادر التي استند إليها، إذ اعتمدت الصحيفة على مصادر استخباراتية أجنبية، وعسكري إسباني لم تكشف هويته، إضافة إلى تصريحات أدميرال إسباني متقاعد ومحلل جزائري، فضلا عن آراء وردت سابقا في وسائل إعلام إسرائيلية وأوساط بحثية أمريكية.

- Ad -

وبالتالي، فإن ما يرد في التقرير لا يمثل موقفا رسميا مغربيا أو أمريكيا، ولا يمكن التعامل مع جميع تفاصيله باعتبارها معطيات عسكرية مؤكدة، بل باعتبارها قراءة ومزاعم وتقديرات نقلتها الصحيفة عن مصادر مختلفة.

تعزيز الحضور المغربي قرب سبتة

بحسب التقرير، شهدت المنطقة المحاذية لمدينة سبتة المحتلة تعزيزات في الوحدات المغربية، في سياق ما تصفه الصحيفة بتطورات أعقبت الأزمة الأخيرة المرتبطة بالهجرة.

وتشير “إل إسبانيول” إلى واقعة قالت إنها حدثت السبت الماضي، عندما ظهرت دورية بحرية مغربية في مياه منطقة بن يونس المحاذية للسياج الحدودي لسبتة، مشيرة إلى أن الزورق لم يكن مزودا بمدفع رشاش في مقدمته.

وتنقل الصحيفة عن مصادر استخباراتية أجنبية أن الأمر يتعلق، في الوقت الحالي، بـ”تعزيز للوحدات”، وليس بالضرورة بتحرك هجومي.

وتحظى منطقة بن يونس بأهمية أمنية بسبب وجود تجمعات مؤقتة للمهاجرين الراغبين في محاولة عبور السياج، وهو ما يجعلها منطقة تشهد عادة حضورا مكثفا للقوات المغربية وعمليات لمراقبة الهجرة.

وتضع الصحيفة هذا التحرك في سياق أوسع، يتمثل في إعادة توزيع جزء من الموارد العسكرية المغربية باتجاه الشمال.

جبل كوروغو.. القاعدة التي تراقبها إسبانيا

الجزء الأكثر إثارة في التقرير يرتبط بجبل كوروغو بالناظور، المطل على مليلية المحتلة.

وتقول الصحيفة إن المغرب يواصل بناء قاعدة عسكرية في الجبل، سبق أن تحدثت عنها “إل إسبانيول” في تقارير سابقة، مشيرة إلى أنها مخصصة، وفق مصادرها، للدرونات والصواريخ ويمكن أن يكون لها دور في المراقبة والسيطرة البحرية.

وتربط الصحيفة موقع القاعدة بالموقع الجغرافي الاستراتيجي للمنطقة، باعتبار أن جبل كوروغو يطل على المجال المحيط بمليلية وعلى واجهة بحرية تقع ضمن منطقة حساسة في غرب المتوسط.

كما تشير إلى أن المنطقة نفسها كانت قبل تشديد المغرب الرقابة على الحدود البرية مع مليلية تعرف تجمعات للمهاجرين القادمين من إفريقيا جنوب الصحراء، وهو ما جعلها في السنوات الماضية نقطة معروفة في ملف الهجرة.

غير أن التقرير ينتقل من البعد الحدودي والهجروي إلى البعد العسكري، إذ يعتبر أن القاعدة الجديدة، إذا صحت طبيعة التجهيزات المنسوبة إليها، قد تضيف طبقة جديدة إلى منظومة المراقبة والدفاع الجوي المغربية في شمال البلاد.

واشنطن في قلب الرواية الإسبانية

من أبرز ما تطرحه الصحيفة أن التطور العسكري المغربي لا يحدث، بحسب روايتها، بمعزل عن التعاون مع الولايات المتحدة.

وتنقل “إل إسبانيول” عن مصادرها أن واشنطن ستوفر للمغرب سفنا ورادارات ودرونات ومعدات عسكرية متطورة، وتذهب المصادر إلى حد الحديث عن دعم واسع بهدف تعزيز قدرة المغرب على مراقبة مضيق جبل طارق.

كما تشير الصحيفة إلى اتفاق التعاون الدفاعي المغربي الأمريكي الموقع في أكتوبر 2020، والذي تقول إنه جرى تجديده هذه السنة إلى غاية 2036.

وتربط المادة هذا التعاون بتطوير مجالات الاستخبارات العسكرية والقوات البحرية والغواصات والقوات الجوية، إلى جانب إنشاء وتعزيز قواعد ومنشآت عسكرية.

وهنا تنتقل الصحيفة إلى سؤال أكثر حساسية: لماذا يمكن أن تفضل واشنطن وجود قدرة مغربية أكبر في الجانب الجنوبي من المضيق، بدلا من بقاء السيطرة الإسبانية على جانبيه؟

مقارنة بمضيق هرمز

للإجابة عن هذا السؤال، تستشهد الصحيفة بتصريح للحقوقي الأمريكي كينيث روث، المدير التنفيذي السابق لمنظمة هيومن رايتس ووتش، الذي يرى أن الموقع الجغرافي لسبتة يجعلها جزءا مهما من معادلة مضيق جبل طارق.

وتستحضر المقارنة مع مضيق هرمز، حيث تتمتع إيران بنفوذ على جانبي المضيق.

وبحسب المنطق الذي تنقله الصحيفة، فإن توزيع النفوذ على جانبي الممرات البحرية الاستراتيجية قد يكون أكثر ملاءمة للولايات المتحدة من السماح لطرف واحد بالتحكم الكامل فيها.

وتطرح المادة في هذا السياق سيناريو تعتبر فيه أن احتفاظ إسبانيا بوجود قوي على الضفتين الشمالية والجنوبية للمضيق يمنحها موقعا استراتيجيا استثنائيا.

لكن هذه القراءة تبقى تحليلا منسوبا إلى المصادر التي استشهدت بها الصحيفة، وليست إعلانا أمريكيا رسميا عن رغبة واشنطن في نقل السيطرة على المضيق من إسبانيا إلى المغرب.

رادارات ودفاعات جوية شمال المغرب

في فصل آخر، تستند الصحيفة إلى عسكري إسباني لا يزال في الخدمة، رفض الكشف عن هويته، للحديث عن انتشار ما تصفه برادارات وأنظمة دفاع جوي في شمال المغرب.

وبحسب هذا المصدر، فإن المغرب يعمل على نقل جزء من الأسلحة والقدرات العسكرية من المناطق الداخلية باتجاه الأطراف، وخاصة الشمال.

ويقول المصدر إن هذه المنظومة ذات طبيعة دفاعية بالدرجة الأولى، وتخدم، وفق تقديره، مواجهة التهديدات المحتملة القادمة من إسبانيا أو الجزائر.

كما يتحدث عن إنشاء محطات رادار ومنظومات مدفعية وصاروخية، وعن إدخال صواريخ صينية جديدة إلى الترسانة المغربية.

وتذهب الصحيفة إلى أبعد من ذلك عندما تشير، نقلا عن المصدر نفسه، إلى أن منظومة الدفاع الجوي المغربية قد تكون قادرة نظريا على تغطية أجزاء من المجال الجوي الإسباني.

وتذكر في هذا السياق منظومة إتش كيو-9 الصينية، التي تقدمها الصحيفة باعتبارها نظاما أرض-جو بعيد المدى مصمما للتعامل مع الصواريخ الباليستية متوسطة المدى.

وتورد الصحيفة، نقلا عن المصدر، سيناريو نظريا يتحدث عن إمكانية إسقاط طائرة إسبانية في منطقة مالقة.

هل يتعلق الأمر بالاستعداد لمواجهة إسبانيا؟

رغم اللهجة المثيرة التي يعتمدها عنوان التقرير، فإن أحد أبرز العسكريين الإسبان الذين استشارتهم الصحيفة يقدم قراءة مختلفة.

فالأدميرال الإسباني المتقاعد خوان رودريغيز غارات يستبعد أن يكون بناء القدرات العسكرية المغربية موجها أساسا نحو حرب مباشرة مع إسبانيا.

وبحسب رؤيته، فإن المغرب لو كان يستعد فعلا لمواجهة عسكرية مباشرة مع إسبانيا، لكان امتلاك الغواصات أحد المؤشرات الأكثر وضوحا، وهو ما يقول إن المغرب لم يفعله حتى الآن.

ويرى غارات أن الجزء الأكبر من إعادة التسلح المغربي يرتبط بالصحراء وبالتوازن العسكري مع الجزائر.

وهذه النقطة مهمة لأنها تضع حدا فاصلا بين امتلاك قدرة عسكرية متطورة وبين وجود قرار سياسي بخوض حرب مع إسبانيا.

الصحراء والجزائر قبل سبتة ومليلية

في قراءة الأدميرال الإسباني، تحتل قضية الصحراء الأولوية الاستراتيجية بالنسبة للمغرب.

ويعتقد أن الرباط تسعى إلى تحقيق تقدم أكبر في هذا الملف، وأن إعادة بناء القوة العسكرية المغربية ترتبط في جانب أساسي منها بمواجهة التحديات المرتبطة بالصحراء وبالخصومة مع الجزائر.

كما يضع الساحل في المرتبة الثانية، بسبب المخاطر الأمنية الناتجة عن الجماعات المتطرفة وعدم الاستقرار في منطقة الساحل والصحراء.

أما إسبانيا، فيضعها في المرتبة الثالثة، معتبرا أن تصميم الجيش المغربي وقدراته العسكرية يتلاءمان بدرجة كبيرة مع احتمال مواجهة الجيش الجزائري.

“حرب هجينة” منخفضة المستوى حول سبتة ومليلية

فيما يتعلق بسبتة ومليلية المحتلتين، يرى الأدميرال الإسباني أن المغرب يستفيد سياسيا من إبقاء نوع من الضغط المستمر منخفض المستوى حول المدينتين.

ويشير إلى مجموعة من الأدوات التي يعتبرها جزءا من هذه “الحرب الهجينة”، من بينها ملف الهجرة، وفتح وإغلاق المعابر الجمركية، إضافة إلى أنشطة التجسس.

لكنه يستبعد في الوقت نفسه تحول هذا التوتر إلى حرب تقليدية شاملة بين المغرب وإسبانيا.

ويربط ذلك بالمصالح الاقتصادية والتجارية للمغرب مع الاتحاد الأوروبي، معتبرا أن الرباط لديها مصلحة في الحفاظ على علاقاتها الاقتصادية مع أوروبا وعدم الانزلاق إلى مواجهة عسكرية مباشرة.

ولا يقتصر التقرير على الولايات المتحدة.

فالصحيفة تشير إلى ما تصفه بدعم محتمل من بعض الأوساط الإعلامية والسياسية الإسرائيلية لأي تحرك مغربي مستقبلي بشأن سبتة ومليلية.

وتستشهد بمقال نشر في أبريل الماضي في وسيلة إعلام إسرائيلية للكاتب أمين أيوب، عضو منتدى الشرق الأوسط، تحدث فيه عن إمكانية استغلال التوترات بين الولايات المتحدة وإسبانيا بشأن حلف شمال الأطلسي وإيران كفرصة أمام المغرب لإعادة طرح ملف سبتة ومليلية.

كما تشير “إل إسبانيول” إلى ما تصفه بمواقف صادرة عن مراكز أبحاث أمريكية تحدثت عن فكرة “مسيرة خضراء” لاستعادة المدينتين.

وفي الجزء الأخير، تقدم الصحيفة رواية أكثر تشددا عبر استضافة المحلل الجزائري أكرم خفيف المعروف بقربه من النظام الجزائري، مدير موقع متخصص في الشؤون الدفاعية.

ويعتقد المحلل الجزائري أن المغرب قد يكون مستعدا لعمل ضد سبتة ومليلية، ويرى أن أي تحرك محتمل لن يكون بالضرورة حربا تقليدية مباشرة، وإنما قد يجمع بين أدوات هجينة وإجراءات عسكرية.

كما يعتبر أن التطورات الأخيرة أعطت الرباط، من وجهة نظره، “إشارة استراتيجية واضحة”، بسبب ما يصفه بدعم أمريكي وانقسام أوروبي وتنازلات من الحكومة الإسبانية.

مقالات ذات صلة