لم تعد حدود “التنصت” في المغرب تقف عند سماعة الهاتف التقليدية؛ فقد حمل مشروع قانون المسطرة الجنائية الجديد تحولا جذريا في مادته الـ 108، منتقلا من إطارها “الكلاسيكي” الضيق إلى فضاء رقمي شاسع يتيح اعتراض مختلف أشكال التواصل الحديثة، في خطوة تهدف إلى ملاحقة الجريمة أينما حلت وارتحلت في العالم الافتراضي.
بموجب التعديلات الجديدة، لم يعد الاعتراض القضائي حكرا على المكالمات الصوتية، بل امتد ليشمل الرسائل النصية، البريد الإلكتروني، والمكالمات المرئية عبر الإنترنت، وصولا إلى التدقيق في الاتصالات الجارية عبر منصات “واتساب، فايسبوك، إنستغرام، وتيك توك”. هذا التوسع يأتي لمواكبة التحولات التكنولوجية التي جعلت من الفضاء الرقمي مسرحا جديدا للجريمة.
وفي هذا السياق، أكد الباحث في العلوم القانونية، كريم الوهابي، أن هذا التعديل يعكس وعي المشرع بكون الجريمة لم تعد تقليدية. وأوضح الوهابي أن الصيغة السابقة للمادة 108 كانت تشكل “عائقا” أمام تتبع الجرائم المرتكبة عبر الإنترنت، بينما يمنح التعديل الجديد الأجهزة القضائية أدوات أكثر نجاعة لمواجهة الجنوح الرقمي المتزايد.
صلاحيات أوسع للنيابة العامة
ولم يكتف المشرع بتوسيع “محل” الاعتراض، بل وسع أيضا من دائرة “الجهات” المخول لها إصداره؛ حيث تم إدراج وكلاء الملك المكلفين بالجنح إلى جانب قضاة التحقيق والوكلاء العامين للملك. كما انتقل النص من لائحة جرائم محدودة إلى صياغة عامة تشمل كافة الجرائم المنصوص عليها في القانون الجنائي، مما يفتح الباب لتطبيق هذه الإجراءات على طيف واسع من الأفعال الإجرامية.
غير أن هذا “التمدد القانوني” لم يمر دون إثارة مخاوف حقوقية مرتبطة بحماية الحياة الخاصة. وفي هذا الإطار، شدد الوهابي على أن نجاعة هذه المقتضيات تظل رهينة بوجود “رقابة قضائية صارمة” وضوابط دقيقة تضمن احترام مبدأ التناسب، لضمان عدم تحول هذه الصلاحيات إلى مساس غير مبرر بالحريات الفردية التي يكفلها الدستور.
ويبقى السؤال المطروح في الأوساط القانونية: كيف سيوفق المغرب بين ضرورة مكافحة الجريمة الرقمية وحماية المعطيات الشخصية للمواطنين في عصر “الشفافية الرقمية القسرية”؟


